
حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، يعود لبنان ليحتل موقعاً محورياً في حسابات الحرب والسلم، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، بل نتيجة تشابك أدواره ضمن شبكة التوازنات الإقليمية. وفي هذا الإطار، تبرز الدلالات السياسية لما يُنقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، لجهة إبلاغه بأن أي حل للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران سيشمل لبنان، باعتباره ساحة أساسية في معادلة الصراع.
هذا الكلام لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الميداني القائم منذ سنوات، حيث بات الجنوب اللبناني جزءاً من توازن ردع متبادل مع إسرائيل، يرتبط عضوياً بالمشهد الإقليمي الأوسع. فلبنان، في هذه المعادلة، لم يعد ساحة مستقلة بالكامل، بل أصبح متصلاً بمسارات التفاوض والتصعيد بين القوى الكبرى، ما يجعل أي تسوية محتملة شاملة بطبيعتها، لا تقتصر على طرفين دون سواهما.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يعني التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران نهاية تلقائية للتوتر بين لبنان وإسرائيل؟
الواقع يشير إلى أن الأمر أكثر تعقيداً. فإسرائيل، التي تبني استراتيجيتها الأمنية على مبدأ الضربات الاستباقية ومنع تعاظم التهديدات على حدودها، قد لا ترى في أي اتفاق أميركي–إيراني ضمانة كافية لأمنها؛ وبالتالي، فإنها قد تختار الاستمرار في سياسة الضغط العسكري، ولو بوتيرة منخفضة، للحفاظ على ما تعتبره تفوقاً ردعياً في مواجهة الجبهة الشمالية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي اتفاق كبير بين الولايات المتحدة وإيران سيحمل في طياته ضغوطاً سياسية على إسرائيل، خصوصاً إذا كان جزءاً من رؤية أوسع لإعادة ترتيب الاستقرار في المنطقة. ففي هذه الحالة، قد تجد تل أبيب نفسها أمام معادلة دقيقة، مفادها: إما الانخراط في تهدئة مفروضة دولياً، أو المخاطرة بالدخول في مواجهة مفتوحة مع لبنان دون غطاء سياسي كافٍ.
العامل الأميركي يبقى هنا الأكثر تأثيراً. فإذا قررت واشنطن أن الوقت قد حان لإغلاق جبهات التوتر، فإنها تملك أدوات ضغط متعددة على إسرائيل، سواء عبر الدعم العسكري أو الغطاء الدبلوماسي. غير أن هذا الضغط ليس مطلقاً، إذ تبقى لإسرائيل هامشية قرار مرتبطة بحساباتها الأمنية الخاصة، ما يجعل أي تهدئة محتملة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.
أما على المستوى اللبناني، فإن إدراجه ضمن أي تسوية إقليمية يفتح بابين متناقضين. فمن جهة، يمكن أن يشكل ذلك فرصة لخفض التوتر وإعادة إطلاق مسار الاستقرار، بما ينعكس إيجاباً على الوضعين الاقتصادي والسياسي. ومن جهة أخرى، قد يتحول لبنان إلى ورقة تفاوضية تُستخدم لتحسين شروط الاتفاق، ما يبقيه عرضة لتقلبات التسويات ومخاطر الانفجار عند تعثرها.
كما أن الميدان بدوره يلعب دور الحكم النهائي. فإذا استمرت قواعد الاشتباك الحالية دون انزلاق إلى حرب شاملة، فقد يتم تثبيتها ضمن تفاهم غير معلن يواكب أي اتفاق دولي. أما إذا شهدت الجبهة تصعيداً كبيراً، فإن ذلك قد يفرض وقائع جديدة تعيد خلط الأوراق وتؤخر أي مسار تهدئة.
من هنا، يبدو أن ربط لبنان بأي حل للحرب بين أميركا وإيران لم يعد مجرد تحليل، بل أصبح جزءاً من منطق الصراع نفسه. إلا أن ترجمة هذا الربط إلى وقف فعلي للحرب مع إسرائيل تبقى مسألة معقدة، تحكمها توازنات دقيقة بين السياسة والميدان، وبين الضغوط الدولية والحسابات الأمنية. وعليه، فإن أي تهدئة محتملة قد لا تكون نهاية للصراع، بل انتقالاً إلى مرحلة جديدة تُدار فيها المواجهة بقواعد مختلفة، أقل صخباً لكنها أكثر دقة وحساسية.




