خاصأبرزرأي

بري يدق ناقوس الخطر

حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي”:


لم يعد المشهد في جنوب لبنان يقتصر على خروقات أمنية أو اعتداءات متفرقة، بل بات يتخذ منحى أكثر خطورة مع استمرار عمليات الهدم والتجريف الواسعة التي تطاول مدينة بنت جبيل وقرى قضائها، وتمتد إلى أقضية مرجعيون والنبطية وصور، في مشهد يوحي بأن ما يجري يتجاوز الحسابات العسكرية الآنية لدى إسرائيل إلى محاولة إعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة. فحين تتحول القرى إلى ركام، وتُمحى معالم الأحياء والمنازل والبنى التحتية، يُطرح السؤال: هل الهدف مجرد إحداث أضرار، أم صناعة منطقة فاقدة لكل مقومات الحياة؟

في هذا السياق، جاءت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لتدق ناقوس الخطر، محذرًا من أن ما يجري ليس مجرد عمليات تدمير عابرة، بل سياسة ممنهجة تستهدف تحويل مساحات واسعة من الجنوب اللبناني إلى مناطق غير قابلة للسكن والإعمار والاستقرار، وهو توصيف يحمل في مضمونه اتهامًا بأن إسرائيل لا تكتفي بفرض وقائع عسكرية، بل تعمل على خلق واقع جديد تكون فيه عودة الأهالي إلى قراهم أمرًا بالغ الصعوبة، بما يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وإنسانية وأمنية طويلة الأمد.

وتنبع خطورة هذا المشهد من كونه يضرب جوهر فكرة الاستقرار التي يفترض أن تقوم عليها أي تفاهمات أو ترتيبات قائمة. فالاستقرار لا يُبنى على أنقاض القرى، ولا يمكن الحديث عن تهدئة في ظل استمرار عمليات الهدم والنسف والتجريف، وكلما اتسعت رقعة الدمار، تراجعت الثقة بإمكان تثبيت أي مسار سياسي أو أمني، لأن المواطنين الذين يفقدون منازلهم وأرزاقهم لا يرون في الهدوء سوى عنوان هش لا يحمي مستقبلهم.

ولا يقتصر تأثير هذا الواقع على الجانب الإنساني فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي، إذ إن استمرار عمليات التدمير يضع اتفاق الإطار الذي تم في واشنطن بين لبنان وإسرائيل أمام اختبار مصيري. فالاتفاق الذي أريد له أن يشكل مدخلًا لخفض التوتر وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا، يجد نفسه اليوم محاصرًا بوقائع ميدانية تناقض روحه وأهدافه. وإذا بقيت عمليات الهدم مستمرة بالوتيرة نفسها، فإن الاتفاق سيفقد تدريجيًا مقومات استمراره، لأن أي تفاهم لا يمكن أن يصمد إذا كان أحد طرفيه يفرض على الأرض وقائع تنسف الأسس التي قام عليها.

من هنا يمكن فهم التحذير الذي أطلقه الرئيس بري من أن ما يجري لا يهدد الجنوب وحده، بل يهدد أيضًا مستقبل المسار السياسي برمته، إذ إن استمرار الصمت الدولي والعربي حيال عمليات التدمير قد يُفسَّر على أنه قبول بالأمر الواقع، الأمر الذي يشجع على المضي في سياسة فرض الوقائع بالقوة، ويجعل أي التزام بالاتفاقات موضع شك وتساؤل.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في توثيق الاعتداءات ورفع الصوت في المحافل الدولية، وإنما أيضًا في إطلاق ورشة دبلوماسية وسياسية واسعة لحشد موقف عربي ودولي ضاغط يوقف مسلسل التدمير، لأن السكوت عن تحويل قرى بأكملها إلى مناطق منكوبة يعني التسليم بتغيير خطير في طبيعة الجنوب ومستقبله. فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية تقع على خط المواجهة، بل هو بيئة اجتماعية واقتصادية وتاريخية تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية اللبنانية. وأي استهداف ممنهج لمقومات الحياة فيه ستكون انعكاساته أوسع من حدود المنطقة نفسها، إذ سيؤثر في الاستقرار الداخلي، ويزيد من أعباء النزوح، ويعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان.

وحيال ذلك، تبدو الرسالة التي حملها موقف الرئيس بري أبعد من مجرد إدانة سياسية، إنها تحذير من لحظة مفصلية قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من فرص تثبيت الاستقرار. فإما أن يتحرك المجتمعان العربي والدولي لوقف سياسة التدمير وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وإما أن يتحول اتفاق الإطار إلى وثيقة فاقدة للفاعلية، بعدما تسبق الجرافات والركام أي تفاهمات سياسية، ويصبح السلام المؤجل أكثر بعدًا، فيما يبقى الجنوب يدفع وحده ثمن صمت العالم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى