أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: إخراج القيد… والرحلة الشاقة

تحولت مسألة الحصول على إخراج قيد فردي في لبنان من مجرد معاملة إدارية روتينية إلى رحلة شاقة ومكلفة، تختصر جانبًا كبيرًا من الأزمة التي تعصف بالمؤسسات العامة. فمع ارتفاع الكلفة التي يتقاضاها المخاتير لإنجاز هذه المعاملة إلى نحو 15 دولارًا، يجد المواطن نفسه أمام أعباء مالية إضافية، تضاف إلى سلسلة طويلة من النفقات التي فرضها الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة.

ورغم أن هذه الزيادة لا ترتبط باستحداث رسم رسمي جديد، فإنها تعكس الارتفاع الكبير في الكلفة التشغيلية التي يتحملها المختار. فالتنقل المتكرر بين دوائر النفوس، وكلفة الوقود، والطباعة، والقرطاسية، والاتصالات، فضلًا عن الوقت الطويل الذي تستغرقه المعاملات نتيجة البطء الإداري، كلها عوامل دفعت إلى إعادة احتساب بدل الخدمات بما يتناسب مع الواقع الحالي.

غير أن الصورة تبدو أكثر قتامة في المناطق الحدودية التي دفعت أثمانًا باهظة جراء الحرب الأخيرة، وفي مقدمها قضاء بنت جبيل، حيث أدى تدمير دائرة النفوس إلى تعطيل إنجاز المعاملات في المدينة، وفرض على السكان واقعًا بالغ الصعوبة. فبدلًا من مراجعة الدائرة المحلية كما كان الحال سابقًا، بات المواطن مضطرًا إلى الانتقال إلى وزارة الداخلية في بيروت أو إلى دوائر بديلة لإنجاز أبسط المستندات الرسمية، من إخراج قيد فردي أو عائلي إلى بيانات الولادة والوفاة وسائر الوثائق التي تحتاجها المعاملات اليومية.

ولا تقتصر المعاناة على كلفة المستند نفسه، بل تمتد إلى مصاريف النقل التي قد تتجاوز قيمة المعاملة مرات عدة، إضافة إلى الوقت الضائع على الطرقات، وما يرافق ذلك من انتظار طويل داخل الإدارات الرسمية. ويزداد العبء على كبار السن والمرضى وذوي الدخل المحدود، فضلًا عن الموظفين الذين يضطرون إلى التغيب عن أعمالهم لإنجاز معاملة كان يمكن إنهاؤها خلال دقائق داخل مدينتهم.

وتنعكس هذه الأزمة أيضًا على المخاتير الذين أصبحوا الحلقة الأقرب إلى المواطنين، إذ يجدون أنفسهم أمام ضغط متزايد لتأمين المستندات في ظل غياب الدوائر المحلية، ما يفرض عليهم مراجعات متكررة لدوائر النفوس والوزارة، وتحمل أكلافًا إضافية لا يمكن تجاهلها.

وتكشف هذه الأزمة عن خلل أعمق من مجرد ارتفاع كلفة إخراج القيد، إذ إنها تعبر عن تراجع قدرة الإدارة العامة على توفير خدماتها الأساسية بصورة متوازنة بين المناطق. فالمواطن في الأطراف يدفع اليوم ثمن بعده الجغرافي، كما يدفع ثمن الأضرار التي لحقت بالمرافق العامة، في وقت يفترض أن تكون الدولة في صدارة الساعين إلى تخفيف الأعباء عنه، لا مضاعفتها.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تأهيل دائرة النفوس في بنت جبيل في أسرع وقت ممكن، أو إيجاد مراكز بديلة داخل القضاء، بما يضمن عودة الخدمات إلى أهل المنطقة، ويضع حدًا لمعاناة يومية أصبحت تثقل حياة المواطنين، وتؤكد أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل أيضًا باستمرار آثارها على تفاصيل الحياة الإدارية والمعيشية للناس.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى