هل تبحث عن الرجل القوي الحقيقي؟ انظر إلى الفاتيكان

دانييل بيرك وسكوت ديترو – صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية:
يُجسّد البابا ليو الرابع عشر مفهوماً مختلفاً للقوة، لا يقوم على القسوة واستعراض السلطة، بل على الشجاعة الهادئة والصمود والتضحية والثبات على المبادئ.
تُعدّ الصلابة فضيلة أساسية في حركة “MAGA”، إذ تُشير إلى رجولة صارخة واستعداد لاستخدام القوة، وحتى القسوة، لهزيمة الأعداء المفترضين.
وفي بعض الأحيان، أصبحت هذه الصفة متشابكة مع المسيحية، كما حدث عندما تلا وزير الدفاع بيت هيغسيث، في آذار/مارس، صلاةً في البنتاغون دعا فيها الله إلى أن “يكسر أسنان الكافرين”.
البابا ليو الرابع عشر، الذي اختلف مع إدارة ترامب بشأن الحرب في إيران وسياسة الهجرة، لا يتناسب مع هذا النمط من المسيحية “المتشددة”. فهو هادئ ومتحفّظ، وغالباً ما يسعى إلى حلول وسط بدلاً من الصراع. لكن من الخطأ الحكم على ليو بأنه متساهل، فهو في الواقع صاحب موقف حازم.
خلال عقود خدمته مبشّراً وقائداً للرهبنة الأوغسطينية، أظهر البابا نوعاً مختلفاً تماماً من الصلابة، إذ خدم مراراً في أماكن خطرة، وكثيراً ما عرّض نفسه للخطر من أجل مواصلة رسالته.
وقد تجلّى هذا النوع من العزيمة مؤخراً، إذ خضع ليو لعملية جراحية لإزالة ورم سرطاني في رئته، وأجرى مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من غرفة النقاهة، وغادر المستشفى في أقل من أسبوع.
ويُصرّ ليو على القيام برحلة شاقّة إلى الأرجنتين وبيرو وأوروغواي يوم الجمعة، تتضمّن أكثر من اثنتي عشرة رحلة جوية، تغطّي مسافة 19 ألف ميل، على الرغم من أنه لا يزال يتعافى من جراحة استئصال الفصّ السفلي من إحدى رئتيه. وقد أكّد الفاتيكان الأسبوع الماضي أنّ الرحلة ستمضي قُدماً كما هو مخطّط لها.
هذه هي عقلية المبشّرين، التي تتطلّب التضحية بالأنا، وأحياناً بالصحة والسلامة، من أجل مصلحة الرسالة.
ليس البابا ليو أول بابا يسافر إلى أماكن خطرة أو يُظهر عزيمة في مواجهة نقاط ضعفه. ففي نواحٍ عديدة، يُعدّ إظهار الشجاعة والعزيمة، وكذلك الإيمان، جزءاً من مهام البابوية.
وفي بيان الفاتيكان الذي أكّد رحلة أميركا الجنوبية، قال البابا: “أتطلّع إلى العودة إلى القارة التي عشتُ فيها لحظات كثيرة من حياتي”.
لم تكن كل تلك اللحظات سعيدة، بل كان بعضها مروّعاً.
في عام 1984، كان البابا المستقبلي شاباً أوغسطينياً يُدعى روبرت بريفوست، يدرس لنيل درجة الدكتوراه في القانون الكنسي في روما. وفي ذلك العام، تسبّب حادث سير في بيرو بمقتل كاهنين كانا يساعدان في تأسيس أبرشية جديدة في بلدة تشولوكاناس النائية شمالي البلاد. وطلب رؤساؤه في الرهبنة الأوغسطينية من الأب بريفوست تولّي المسؤولية والانتقال إلى مكان يبعد أكثر من 6500 ميل. وقال الأب بريفوست لزملائه الرهبان: “لم أقبل هذه المهمة الجديدة من دون قدر من الخوف”. ومع ذلك، فقد ذهب.
بعد وصوله بفترة وجيزة، أُصيب الأب بريفوست بحمّى التيفوئيد، لكنه بقي لمدة عام كامل، وأتمّ مهمته.
كانت جماعة ماوية عنيفة تُعرف باسم “الدرب المضيء” (Sendero Luminoso) تُرهب البلاد آنذاك. وكان أتباع هذه الجماعة يتركون جثث المشتبه في خيانتهم في الشوارع، ويرسلون حميراً مفخّخة إلى المناطق المكتظّة بالسكان. ومع ذلك، عاد الأب بريفوست إلى بيرو بعد أقل من عامين، وكتب إلى إخوانه الأوغسطينيين عام 1987 أنه شعر برغبة جامحة في العيش “وسط هذا الحشد الهائل من المهمّشين، مشاركاً في حياتهم ومعاناتهم ويأسهم وآمالهم”.
خلال فترة وجوده في بيرو، بدأ أعضاء جماعة “الدرب المضيء” باستهداف رجال الدين الكاثوليك الأجانب، باعتبارهم “عملاء للإمبريالية متنكرين في زيّ كهنة”. وعرضت عليه الأبرشية توفير حارس شخصي، لكنه رفض. ومع تصاعد العنف، بقي الأب بريفوست. فقد كانت مصداقيته بوصفه مسيحياً تعتمد على استعداده للبقاء، مهما بلغت المخاطر. وظلّ هناك حتى عام 1999، عندما انحسرت أسوأ موجات العنف الإرهابي.
أثناء إعدادنا لكتابنا الذي يتناول حياة ليو قبل تولّيه البابوية، سمعنا العديد من القصص المشابهة.
عندما كان يدير رهبنة القديس أوغسطين على مستوى العالم بصفته الرئيس العام، سافر إلى أكثر من 40 دولة. وقد انطوت بعض تلك الرحلات على مخاطر لم يكن كثيرون ليُقدموا على مواجهتها.
في أيلول/سبتمبر 2001، لقي مئات المسلمين والمسيحيين حتفهم خلال أسبوع من الاقتتال الطائفي في شوارع مدينة جوس النيجيرية. حتى إنّ العديد من النيجيريين تجنّبوا المنطقة. لكن الرهبان الأوغسطينيين كانوا قد أسّسوا للتو أول مقاطعة أفريقية لرهبنتهم في نيجيريا، واتخذوا من جوس مقرّاً لها. وكان الأب بريفوست مصمّماً على حضور حفل الافتتاح في تشرين الثاني/نوفمبر.
عند وصوله، كان جنود مسلّحون يحرسون مجمّع الرهبان الأوغسطينيين. وقال الأب جون أبو بكر، وهو راهب أوغسطيني من نيجيريا كان حاضراً: “كان الوضع خطيراً، وكانت شجاعته مصدر إلهام لنا. تساءلنا: من هذا الأميركي؟”.
لا يتباهى البابا ليو بإنجازاته، بل نادراً ما يتحدّث عنها. لكن وراء تحفّظه المعهود، الذي يميّز أبناء الغرب الأوسط الأميركي، تكمن قدرة على الصمود، وشجاعة هادئة، ورزانة في أصعب الظروف. فهو يتمتّع بسكينة حتى في أحلك اللحظات. وكما أخبرنا الأب روبرت هاغان، وهو راهب أوغسطيني يعرف ليو جيداً: “إنه ليس شخصاً عصبياً”.
بصفته بابا، يبدو ليو أكثر حرصاً على سلامته الشخصية، ويساعده الحرس السويسري في ذلك. لكنه لا يزال يتمتّع بالعزيمة نفسها التي عُرف بها دائماً. ففي موقف لم يُكشف عنه سابقاً، جرى في القصر الرسولي العام الماضي، التفتت الملكة رانيا، ملكة الأردن، إلى البابا ليو وسألته بقلق: “يا صاحب القداسة، هل تعتقد أنّ الذهاب إلى لبنان آمن؟”.
فأجاب بابتسامة خفيفة: “حسناً، سنذهب”. وقد جرت الرحلة، التي تضمّنت توقّفاً في تركيا، بسلام، على الرغم من الحرب الدائرة في المنطقة.
وأظهر ليو العزيمة نفسها خلال معركته مع سرطان الرئة. فقد أعلن بنفسه تشخيص إصابته من القصر الرسولي، مُظهراً قدراً من الشفافية والاستعداد للكشف عن ضعفه، قلّما شوهد، إن لم يكن معدوماً، لدى الباباوات المعاصرين.
وفي اليوم الثاني بعد العملية، وجده جرّاحه يرتّب الكراسي في مصلّى المستشفى، فقال له: “يا أبانا المقدّس، يمكننا فعل ذلك”. فأجاب ليو: “لا يهمّ. أستطيع فعل ذلك، لذا سأفعله”.




