رأي

نتنياهو يعزل كريم خان

د. مخلص المبارك – الجريدة:

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، سعى المجتمع الدولي إلى ترسيخ مبادئ القانون الدولي الإنساني والمساءلة الجنائية فيما يتعلق بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجاء تتويج هذه المساعي في نصوص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.وفي هذا السياق، جاء إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة الاعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه غالانت في شهر مايو 2024، بتُهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ليعزز التزام المحكمة بتكريس محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الدولية الخطيرة، ويؤكد التوجه الدولي في عدم إفلاتهم من العقاب، على الرغم من تعرُّض قرار الاعتقال إلى ضغوط قانونية وسياسية وتهديدات وعوائق إجرائية غير مبررة جعلت فترة اتخاذ القرار تمتد 7 أشهر، على عكس القرار الذي صدر بحق الرئيس الروسي بوتين، الذي استغرق اتخاذه يوما واحدا فقط. ومنذ بداية تفعيل عمل المحكمة الجنائية الدولية خلقت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل مناخاً سياسياً سلبياً حول المحكمة من خلال اتهامها بالتسييس والعداء لهما، وازدادت هذه الاتهامات وتحولت إلى تهديدات مباشرة لقضاة المحكمة ومسؤوليها بعد التحقيقات المتعلقة بالحرب على غزة والتحقيقات حول اتهام الجنود الأميركيين بارتكاب جرائم حرب في أفغانستان، حيث فرض الرئيس ترامب عقوبات على مسؤولي المحكمة خلال فترة ولايته الرئاسية الأولى، وكررها في ولايته الثانية عام 2025، حيث فرض عقوبات ضد قاضيين و7 موظفين في المحكمة، بحجة مشاركتهما في جهود تسعى لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين. وقد شكّل رفض المدعي العام للمحكمة، كريم خان، الضغوط السياسية والإعلامية المختلفة، وعدم انصياعه لتوجيهات حكومة المحافظين البريطانية قبيل إصدار مذكرة الاعتقال بحق نتنياهو، سبباً إضافياً في متابعة تقويض نظام العدالة الجنائية الدولية، وخاصة في ظل العجز عن إلغاء مذكرتَي الاعتقال بالطرق القانونية، مما جعل موضوع التخلص من خان وعزله هو الهدف، بينما الغاية في الحقيقة هو المجيء بمدّعٍ عام جديد للمحكمة قادر على تحريك المراجعة القانونية لمذكرة الاعتقال بحق نتنياهو وإلغائها أو تجميدها من قبل المحكمة. وبالفعل فقد اتخذت جمعية الدول الأطراف للمحكمة قراراً بعزل خان من منصبه، على خلفية الاتهامات السابقة بارتكابه سلوكاً جنسياً غير لائق بعد مسار تحقيقي وإجرائي يحتوي على مخالفات لنص المادة 46 من نظام روما الأساسي، خاصة الفقرة الرابعة منها، حيث حُرم خان من فرصة الدفاع عن نفسه أمام الجمعية، كذلك يمثّل قرار التصويت على العزل تجاوزاً لمضمون تقرير لجنة الخبراء القضائيين الاستشارية، والتي أكدت أن الأدلة المقدمة من المدعية لا ترقى إلى مستوى إثبات التهم، مما جعل نائبة وزير خارجية النرويج تعلّق على القرار بأن ذلك يعتبر إضراراً بنزاهة المحكمة، في حين اعتبرت المنظمات الحقوقية الدولية ما حدث دليلاً صارخاً على تسيس القضية ومحاولة مكشوفة لإرضاء الولايات المتحدة ونتنياهو. وأمام هذه السابقة التاريخية في عزل مدّعي المحكمة الجنائية الدولية، لا بُد من طرح التساؤلات حول مستقبل عمل المحكمة ودورها في ترسيخ العدالة الجنائية الدولية بصفتها أهم آلياتها، وحماية استقلالها أمام التهديدات والضغوط السياسية في وجه الإفلات من العقاب.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى