الراعي: الجنوب ليس ورقة تفاوض

النص المحرر:
احتفل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي في سيدة إيليج، في الذكرى السنوية لشهداء المقاومة اللبنانية، تحت شعار «طوبى لصانعي السلام»، في مناسبة استعاد فيها ذكرى الذين بذلوا حياتهم دفاعًا عن الحرية والكرامة والوجود الوطني.
وشارك في القداس عدد من الشخصيات الروحية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب حشد من المؤمنين، وعاونه النائب البطريركي العام المطران الياس نصار، وراعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون، وراعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله، ورئيس دير سيدة ميفوق الأب ناجي أبي سلوم، وعدد من الكهنة والرهبان.
وفي مستهل القداس، رحب المطران عون بالبطريرك الراعي، معتبرًا أن حضوره السنوي إلى إيليج «يزرع الأمل» ويعزز تمسك أبناء المنطقة بأرضهم وبلبنان. وتوقف عند شعار المناسبة، مؤكدًا أن السلام عطية من الله، لكنه في الوقت نفسه مشروع يتطلب المصالحة واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي عظته، انطلق الراعي من قول المسيح: «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم»، معتبرًا أن الخدمة هي أساس القيادة والمسؤولية، وأن قيمة المسؤول لا تقاس بموقعه، بل بما يقدمه للناس الذين اؤتمن عليهم.
وتناول ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، فقال: «لم يطلبوا لأنفسهم مكانًا في التاريخ؛ لقد أعطوا من ذواتهم، فكتب التاريخ أسماءهم»، مشددًا على أن الوفاء لهم لا يكون برفع صورهم واستعادة ذكراهم فحسب، بل ببناء لبنان الذي من أجله بذلوا حياتهم، أي لبنان الحرية والكرامة والسيادة والدولة القادرة على حماية أرضها وأبنائها.
وأكد أن الذاكرة يجب ألا تتحول إلى «حزن مقيم» أو وقود لصراع جديد، بل إلى أمانة ومسؤولية تجاه المستقبل، مستذكرًا عائلات الشهداء و«الشهداء الأحياء» الذين ما زالوا يحملون جراح الحرب.
وعن السلام، شدد الراعي على أن «طوبى لصانعي السلام» لا تعني نسيان التضحيات أو التنازل عن الحقوق، ولا الاستسلام للأمر الواقع، بل تتطلب الشجاعة والعدالة والثبات على الحقيقة. وأكد أن السلام الحقيقي لا يقوم على محو الحقيقة من أجل مصالحة ظاهرية، بل على جعل الحقيقة طريقًا إلى العدالة والمصالحة.
وفي الشأن الوطني، شدد الراعي على أن السلطة «خدمة لا امتياز»، داعيًا إلى وضع لبنان فوق كل ولاء أو مصلحة خاصة، وإلى استعادة مفهوم الدولة بوصفها خدمة للمواطن وعدالة في القضاء وحماية للمال العام ومصلحة وطنية في السياسة.
حصر السلاح بيد الدولة
وفي أبرز مواقفه، أكد الراعي أن «حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة»، وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة وقرار وطني واحد.
وشدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون من مسؤولية المؤسسات الشرعية، معتبرًا أن الدولة التي تتحمل مسؤولية حماية اللبنانيين وأرضهم ينبغي أن تكون صاحبة القرار السيادي، داعيًا إلى دولة تستعيد كامل حضورها وسلطتها وثقة أبنائها.
الراعي: الجنوب ليس ورقة تفاوض
وأولى الراعي الجنوب حيزًا أساسيًا من عظته، مؤكدًا أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، بل أرض لبنانية وأهله مواطنون لهم الحق في الأمن والاستقرار والعودة إلى قراهم وأرضهم.
ودعا إلى وقف الاعتداءات وحفظ الأرض والحقوق، مؤيدًا كل تفاوض جدي يحمي لبنان ويجنبه الحرب ويحقق الانسحاب ويحفظ الحقوق والسيادة والأمن والاستقرار، مشددًا على أن الدبلوماسية يجب أن تكون وسيلة لحماية حقوق لبنان لا للتنازل عنها.
كما دعا إلى رجال دولة يضعون الوطن فوق مواقعهم، وإلى رفض لغة التحريض في المجتمع، واعتماد خطاب إعلامي مسؤول، وتربية الأجيال بعيدًا من أحقاد الماضي.
ملف الأساتذة المتعاقدين
وتطرق الراعي إلى ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، داعيًا المعنيين إلى إعادة دراسة الملف وإقراره بما ينصف الأساتذة المستحقين، ويحفظ المعايير الأكاديمية ويراعي الشراكة والتوازن الوطنيين.
وفي ختام القداس، شدد رئيس رابطة سيدة إيليج تيدي أبو رجيلي على أن استذكار الشهداء يجب أن يتحول إلى مسؤولية تجاه بناء الدولة، داعيًا إلى دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد في الحرب والسلم، والانتقال من ذاكرة الحرب والانقسام إلى ثقافة السلام والشراكة الوطنية




