رأي

من «ثاد» إلى «القبة الحديدية»: لماذا تعجز واشنطن عن تعويض صواريخها؟

تكشف الحروب الأخيرة أزمة متنامية في مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى واشنطن وتل أبيب، وسط بطء الإنتاج واعتماد الصناعات العسكرية على مواد تسيطر الصين على سلاسلها.

مريم السبلاني – الأخبار:

مع كل جولة عسكرية يخوضها كيان الاحتلال، وتنضم إليها الولايات المتحدة كشريك فاعل وأساسي، يعود الحديث عن مخزون الصواريخ الاعتراضية إلى صدارة المشهد، كسلاح استراتيجي فرضته نوعية الحروب خلال السنوات الماضية، والتي باتت تعتمد على سلاح الجو والصواريخ بدلاً من التوغل البري كما كان الحال في العراق (2003)، وأفغانستان (2001)، على سبيل المثال.
«إسرائيل كانت مهددة بنفاد صواريخ الاعتراض من طراز سهم-3 في حزيران/ يونيو الماضي لو استمرت الحرب مع إيران لعدة أسابيع أخرى»، يشير العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي والمؤرخ العسكري، إران أورتال، في حديثه لصحيفة وول ستريت جورنال، على الرغم من أنّ الحرب لم تستمر سوى 12 يوماً.

حجم الطلب على الصواريخ الاعتراضية بات أكبر بكثير من القدرة على إنتاجها

النقص في الصواريخ الاعتراضية ينسحب أيضاً على الحملة العسكرية الأميركية في اليمن، والتي كانت تهدف إلى «حماية الملاحة في البحر الأحمر» بحسب توصيف واشنطن للضربات، والتي استمرت 52 يوماً. حينها، عبّرت البحرية الأميركية والقيادة العسكرية للمحيطين الهندي والهادئ عن «قلقهما» من الوتيرة التي استخدمت بها القوات الأميركية الذخائر. وخشي المسؤولون آنذاك من أن تؤثر العملية في اليمن على جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة أخطر تهديد لها، وهو الصين.
الأمثلة عن معضلة الصواريخ الاعتراضية كثيرة، إذ يسود القلق الإسرائيلي الأميركي عدّة ساحات بعد الحروب التي شهدتها المنطقة من جهة، ومنذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية وامتداداً إلى 7 أكتوبر وما بعده من جهة ثانية، حيث كانت تل أبيب وواشنطن تقاتلان على عدة جبهات في الوقت نفسه.

الذخائر محدودة
إلا أن السؤال الجوهري يتمحور حول السبب الذي يجعل أكبر قوة عسكرية في العالم، إضافةً إلى أكثر الجيوش تسليحاً في المنطقة تعاني من أزمة متكررة كهذه.
للإجابة على هذا السؤال يذكر أنّ الحليفان -تل أبيب وواشنطن- يعتمدان على المصدر المحدود نفسه من الذخائر الدقيقة وصواريخ الاعتراض، إذ إن الجزء الأكبر من إمدادات إسرائيل العسكرية يُشترى من الولايات المتحدة، خاصة الاعتراضية منها. وتعود نواة الأزمة إلى أن حجم الطلب على هذه الصواريخ أكبر بكثير من القدرة على الإنتاج.

خلال الـ36 ساعة الأولى من بدء الحرب على إيران، استُخدم 3000 صاروخ اعتراضي ضد الصواريخ الإيرانية، فضلاً عن القذائف الموجهة بدقة، بينما أطلقت طهران حوالي 1080 صاروخاً بالستياً ومسيّرة مستهدفة كيان الاحتلال والقواعد والأهداف الأميركية في المنطقة، وفق إحصاء أجراه معهد باين، ومقره في ولاية كولورادو الأميركية.

في المقابل، تصنع «لوكهيد مارتن» 400 صاروخ اعتراضي من فئة «ثاد» سنوياً فقط على الرغم من توسعة خطوط الإنتاج، أما صواريخ «باتريوت» من فئة «pac 3»، فيصنع منها 550 صاروخ سنوياً، بينما تشير المعطيات إلى قدرة إيران على إعادة ملء مخزونها من الصواريخ الباليستية بسرعة أكبر، إذ تصنع حوالي 100 صاروخ شهرياً.

إعادة تعبئة مخزون الدفاع الجوي قد تحتاج إلى سنوات بعد كل جولة قتال

في سياق مرتبط، فإنّ عملية إعادة التذخير بالصواريخ الاعتراضية تتطلب وقتاً طويلاً أيضاً مقارنةً بمقاييس الحروب السريعة. على سبيل المثال، يحتاج إعادة ملء مخزون صواريخ «إيجيس» الأميركية المستخدمة على السفن إلى 4.3 أشهر لكل دفعة صاروخية، والأمر نفسه ينسحب على صواريخ «ثاد» التي تحتاج إلى 2.4 شهر، و8 أشهر لصواريخ منظومة «حيتس» الاسرائيلية، بينما يحتاج تصنيع الدفعة الصاروخية لمنظومة القبة الحديدية إلى حوالي 10 أشهر.

وبذلك، قد يستغرق إعادة تعبئة مخزون الصواريخ الاعتراضية، إضافةً إلى تأمين مخزون استراتيجي، سنوات عدة بعد كلّ جولة قتال.
هنا، يشير خبير الصواريخ الذي يقدّم استشارات لشركات دفاعية إسرائيلية، تال إنبار، إلى أن «معدل إنتاج صواريخ الاعتراض «ثاد» في شركة لوكهيد مارتن هو أقل من 20 صاروخاً سنوياً، مع خطط البنتاغون لشراء 37 صاروخاً فقط في عام 2026، وهو جزء ضئيل مقارنةً بما استُخدم في الدفاع عن كيان الاحتلال خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً».

ويضيف «أطلقت القوات الأميركية ما بين 100 و150 صاروخ دفاعٍ إقليمي عالي الارتفاع خلال تلك المواجهات، كلّف كل صاروخ نحو 12.7 مليون دولار، بينما أنتجت الولايات المتحدة 11 صاروخ ثاد العام الماضي، ومن المتوقع إنتاج 12 صاروخاً هذا العام».


لماذا لا تستطيع واشنطن إنتاج كمية كبيرة من هذه الأسلحة، خاصة وأن لديها القدرة على تأمين التمويل اللازم، فضلاً عن امتلاكها أكبر مجمع عسكري في العالم؟

تنتج هذه الأزمة عن تحديات عدة. العقدة الأبرز هي في تأمين المواد الأولية اللازمة لهذه الصناعات، بالإضافة إلى القيود الصناعية، والمواد الخام، واليد العاملة المدربة. فحتى مع توفير التمويل الإضافي، يظل الإنتاج محدوداً بسبب الطبيعة المعقدة لمحركات الصواريخ الصلبة، والتي تعتمد على مركّبات بيركلورات الأمونيوم كمؤكسد، وعناصر أرضية نادرة مثل النيوديميوم، وجملة من المعادن الأرضية النادرة والمعادن الكثيفة مثل التنغستن، ومواد مثل أكسيد البيريليوم والغاليوم والجرمانيوم للأجهزة الإلكترونية وأنظمة الرادار والتوجيه.

العناصر النادرة
وهي مواد تسيطر الصين على مصادرها وتتحكم في غالبية سلاسل الإنتاج الخاصة بها، إذ تُكرّر أكثر من 85٪ من العناصر الأرضية النادرة في العالم، وتنتج نحو 90٪ من المغناطيسات عالية الأداء المستخدمة في صناعة الرقائق الالكترونية الأساسية لعمل هذه الصواريخ. وقد أظهرت بكين، عام 2025، استعدادها لاستخدام هذه السيطرة كأداة ضغط اقتصادي واستراتيجي، كما فعلت عندما قيّدت تصدير 7 عناصر أرضية نادرة في نيسان/ أبريل عام 2025، فضلاً عن القيود على معدني الغاليوم والجرمانيوم، على إثر فرض الولايات المتحدة الأميركية رسوماً جمركية عالية على بضائعها.

قد يجادل البعض بأن حلفاء واشنطن يمكنهم سد هذا النقص. نظرياً يبدو ذلك ممكناً، لكن عملياً ما تزال دول مثل أستراليا ترسل المواد الخام إلى الصين لمعالجتها.

محركات الصواريخ
في سياق مرتبط، تعد محركات الصواريخ الصلبة «العنصر الأكثر تقييداً للإنتاج»، بحسب المحلل السياسي في شؤون الأمن والدفاع، ماكدونالد أمواه، ويعتمد إنتاجها على سلسلة خطوات معقدة تشمل خلط الوقود الدافع، والصب، والمعالجة الحرارية، وتصنيع الهيكل، ودمج النظام، واختباره وفق أنظمة سلامة صارمة.
وهذا ما يعيدنا إلى النقطة الأولى، أنّه حتى مع التمويل، فإن زيادة الإنتاج تحدث على شكل قفزات محدودة، وتعتمد على منشآت متخصصة، وعمالة مدربة، وتصاريح سلامة وبيئة صناعية لا يمكن تجاوزها، أو الإخلال بمواقيتها الزمنية من أجل السرعة في الإنتاج. كما أن هذه الصناعة لم تُصمم للتعامل مع قفزات مفاجئة في الطلب، كما يحدث عادة خلال الدفاع الأميركي عن الكيان مثلاً، أو كما يحدث حالياً في الحرب ضد إيران ومحاولة فتح مضيق هرمز.

خلاصة
الواقع، أن أزمة إعادة تذخير أنظمة الدفاع الجوي هي الأكثر إلحاحاً عند كل حرب إسرائيلية كانت أم أميركية، وتظهر آثارها سريعاً عندما تسعى هذه الأطراف لإنهاء الحرب عند أول فرصة، خشية الانكشاف الجوي أمام الصواريخ الباليستية والمسيّرات، التي باتت معضلة للدفاع الجوي أيضاً.
إلا أن المشكلة تطال معظم الصناعات العسكرية، والتي لطالما تباهت بها واشنطن ووردتها لتل أبيب لتحافظ على تفوقها العسكري. إذ إن صناعة غواصة واحدة من فئة فيرجينيا تحتاج إلى نحو 4173 كيلوغراماً من العناصر الأرضية النادرة، ومقاتلة F-35 تتطلب أكثر من 408 كيلوغرامات.

تسيطر الصين على مواد أساسية تجعلها كابحاً غير مباشر للاندفاعة العسكرية الأميركية

ما تكشفه هذه المعطيات هو تحول بكين إلى عامل كابح غير مباشر لأي اندفاعة عسكرية أميركية أو إسرائيلية طويلة، من دون أن تطلق رصاصة واحدة. إذ تتعدى هذه الأزمة الجهوزية العسكرية لواشنطن لتطال كل حلفائها في المنطقة والعالم، وتكشف محدودية قدرتها على حماية مصالحها. وتطرح سؤالاً جوهرياً حول جهوزيتها لمواجهة محتملة مع الصين، إذ إن ملء المخازن يحتاج إلى سنوات بما قد تستهلكه خلال شهر واحد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى