افتتاحية اليوم: دمشق تُشرّع أبوابها لبيروت

تفتح الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، في وقت قريب، باباً واسعاً أمام مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية ـ السورية، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية تمر بها المنطقة. فالزيارة، التي سيترأس خلالها سلام وفداً وزارياً، تحمل في توقيتها ورسائلها أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتلامس ملفات معقدة ظلّت عالقة بين البلدين لسنوات طويلة.
الخطوة الحكومية تعكس إدراكاً رسمياً لبنانياً بأن الجغرافيا السياسية تفرض على بيروت إعادة تنظيم علاقتها مع دمشق وفق مقاربة تقوم على المصالح المشتركة، بعيداً عن الانقسامات التقليدية التي لطالما حكمت النظرة اللبنانية إلى سوريا في الحقبة الماضية. فالتداخل الاقتصادي والأمني والاجتماعي بين البلدين يجعل أي قطيعة كاملة أمراً غير واقعي، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
ومن المتوقع أن تتصدر ملفات الحدود والمعابر ومكافحة التهريب جدول الأعمال، إلى جانب ملف النازحين السوريين، الذي يشكل أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه لبنان. فبيروت تسعى منذ سنوات إلى إيجاد مقاربة عملية لهذا الملف، بعدما بات عبئاً ثقيلاً على البنية التحتية والخدمات العامة وسوق العمل، فيما ترى دمشق أن التنسيق المباشر معها يبقى المدخل الأساسي لأي حل فعلي ومستدام.
كذلك تحمل الزيارة بعداً اقتصادياً مهماً، إذ يدرك لبنان أن أي محاولة للنهوض الاقتصادي تحتاج إلى استقرار علاقاته مع محيطه العربي، وسوريا تشكل البوابة البرية الأساسية للبنان نحو الدول العربية. ومن هنا، فإن البحث في إعادة تفعيل خطوط الترانزيت والتبادل التجاري، والتعاون في مجالات الطاقة والنقل، سيأخذ حيزاً أساسياً في المحادثات المرتقبة، خاصة في ظل الحاجة اللبنانية الملحة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية المتفاقمة.
تبدو الزيارة، على المستوى السياسي، بمثابة اختبار لقدرة الحكومة اللبنانية على إدارة التوازنات الداخلية الدقيقة، فالعلاقة مع سوريا لا تزال من أكثر الملفات حساسية داخل الساحة اللبنانية، حيث تنقسم القوى السياسية بين من يدعو إلى انفتاح كامل على دمشق انطلاقاً من الواقعية السياسية، ومن يتحفظ على أي تطبيع سياسي واسع قبل اتضاح صورة التسويات الإقليمية الكبرى.
لكن اللافت أن الحكومة الحالية تحاول تقديم الزيارة بوصفها خطوة مؤسساتية مرتبطة بمصالح الدولة اللبنانية، لا تحولاً سياسياً أو تموضعاً إقليمياً جديداً، وهذا ما يفسر الطابع الوزاري الموسع للوفد المرافق للرئيس سلام، في إشارة إلى أن الهدف يتصل بملفات عملية تتعلق بالاقتصاد والأمن والخدمات.




