
حسين زلغوط – خاص, “رأي سياسي”:

تُعتبر المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، التي ستحتضنها باكستان يوم غد الجمعة، فرصة نادرة لكسر حلقة التصعيد بين واشنطن وطهران، ولو بشكل مؤقت. وقد تُوّجت هذه الجهود بإقرار وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، ما أعطى انطباعًا أوليًا بإمكانية فتح نافذة نحو تهدئة أوسع.
غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يزال محاطًا بشكوك عميقة، نظرًا إلى حجم التباينات بين الأطراف، وتشابك الملفات التي لا يمكن حسمها خلال فترة قصيرة.
فالهدنة الحالية تبدو أقرب إلى “استراحة اضطرارية” منها إلى اتفاق مستدام، فهي جاءت نتيجة ضغوط ميدانية واقتصادية دفعت الطرفين إلى تخفيف حدة الاشتباك، من دون أن تعني بالضرورة استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات جوهرية. فواشنطن تسعى إلى اتفاق يحدّ من قدرات إيران النووية والصاروخية، ويقلّص نفوذها الإقليمي، ويؤمّن فتح مضيق هرمز، بينما ترى طهران في ذلك مساسًا بسيادتها وأدوات قوتها، وترفض الدخول في أي تسوية تنتقص من هذه الثوابت.
هذا التباين البنيوي يجعل من التفاصيل ساحة المواجهة الحقيقية، فكل بند في أي اتفاق محتمل يحمل في طياته تفسيرات متناقضة، وكل صياغة قابلة لأن تتحول إلى نقطة خلاف، من دون أن ننسى الموقف الإسرائيلي السلبي حيال أي اتفاق محتمل.
من هنا، لا يبدو مستغربًا أن تتعرض الهدنة منذ بداياتها لاختبارات صعبة، سواء من خلال خروقات ميدانية أو تبادل للاتهامات، ما يعكس هشاشة الثقة بين الأطراف.
في موازاة ذلك، يبرز العامل الإسرائيلي كعنصر حاسم في تحديد مصير هذه الهدنة، فإسرائيل، وإن أبدت موافقة مبدئية على وقف إطلاق النار، تحرص على إبقاء هامش حركتها العسكرية مفتوحًا، خصوصًا في الساحة اللبنانية. هذا الموقف يعكس قناعة راسخة لديها بأن أي تهدئة مع إيران لا يجب أن تقيّد قدرتها على التعامل مع ما تعتبره تهديدات مباشرة لأمنها، وفي مقدمتها “حزب الله”.
هذه المقاربة الإسرائيلية تضع الهدنة أمام اختبار معقد: هل هي اتفاق شامل يطال مختلف الجبهات، أم مجرد تفاهم جزئي يقتصر على ساحة محددة؟ وفي حال بقي هذا الغموض قائمًا، فإن احتمالات الانفجار تبقى مرتفعة، لأن أي تصعيد في إحدى الساحات قد ينسف التفاهم برمّته.
إلى جانب ذلك، تلعب الحسابات الداخلية دورًا مؤثرًا في مسار التفاوض، فالإدارة الأميركية تسعى إلى تجنب الانزلاق نحو حرب مفتوحة، في ظل كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، بينما تعمل إيران على تثبيت موقعها الإقليمي وتعزيز معادلة الردع. أما إسرائيل، فتتحرك ضمن منطق أمني صارم، يجعلها أقل ميلًا إلى أي تسوية لا تحقق لها مكاسب واضحة.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الهدنة الحالية تشكل فرصة، لكنها محفوفة بالمخاطر. نجاحها يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتجاوز العقد الكبرى، والانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها. أما الفشل، فسيعيد المنطقة سريعًا إلى دوامة التصعيد، وربما بوتيرة أكثر حدة.
من هنا تبدو الصورة مفتوحة على احتمالين: إما أن تتحول هذه الهدنة إلى مدخل لاتفاق أوسع يخفف منسوب التوتر، أو أن تسقط تحت وطأة التفاصيل، لتثبت مرة جديدة أن الطريق إلى السلام في هذه المنطقة لا يزال مليئًا بالألغام.




