خاصأبرزرأي

إسرائيل تسعى لتكرار سيناريو 1978 في الجنوب

حسين زلغوط – خاص,”رأي سياسي”:

في تطور يُنذر بانزلاق خطير في مسار المواجهات في الجنوب، تتكشف ملامح مقاربة إسرائيلية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للعمليات العسكرية، لتدخل في سياق مشروع واسع في الشريط الحدودي، حيث يجري الحديث عن تدمير القرى الحدودية وإفراغها من سكانها، ومنع عودتهم بشكل دائم. وهذا، بالطبع، لا يعكس مجرد تصعيد عسكري، بل يشي بتحول عميق في طبيعة الصراع وأدوات إدارته.

هذا التحول يعكس قناعة متنامية لدى إسرائيل بأن نموذج الردع القائم منذ سنوات لم يعد كافياً لضبط قواعد الاشتباك مع حزب الله، فالمواجهات، رغم كلفتها العالية، لم تنجح في إحداث تغيير جذري في ميزان القوى، ما دفع إلى التفكير في خيارات أكثر عدوانية وإجرامية تقوم على نزع البيئة الحاضنة للمقاومة وتجريدها من عمقها الجغرافي والبشري. ومن هنا، يبرز مفهوم “المنطقة الأمنية الخالية من السكان” كأداة جديدة لفرض واقع ميداني مختلف.

غير أن هذا الخيار يحمل في طياته أبعاداً إنسانية وسياسية معقدة. فإفراغ القرى الحدودية يعني عملياً تهجير آلاف العائلات من أراضيها وقطع صلتها التاريخية بمناطق عاشت فيها لأجيال. وهذا لا يشكل فقط أزمة إنسانية، بل يفتح الباب أمام تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة على شاكلة اجتياح 1978، من شأنها أن تضاعف من هشاشة الداخل اللبناني الذي يعاني أصلاً من أزمات متراكمة.

في المقابل، لا يمكن قراءة هذه المقاربة بمعزل عن الحسابات العسكرية البحتة. فإسرائيل تسعى، من خلال هذا الطرح، إلى خلق شريط أمني فعلي يمنع الاحتكاك المباشر ويقلّص من قدرة حزب الله على استخدام القرى الحدودية كنقاط انطلاق أو تمركز، إلا أن هذه الرؤية تصطدم بحقيقة أن الجغرافيا وحدها لا تحسم الصراعات، وأن محاولات فرض وقائع قسرية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية عبر توليد دوافع إضافية للمواجهة.

لكن الأخطر في هذا السياق أن أي خطوة باتجاه تنفيذ مثل هذه الخطة قد تُفسَّر كإعلان غير مباشر عن تغيير قواعد الاشتباك بشكل جذري، ما قد يدفع الأمور نحو تصعيد واسع يصعب احتواؤه. فحزب الله، الذي يعتبر الجنوب جزءاً أساسياً من معادلة الردع، لن يتعامل مع مشروع من هذا النوع كإجراء تكتيكي، بل كتهديد استراتيجي يستوجب رداً يتناسب مع حجمه وخطورته.

فعلى المستوى اللبناني، تبدو التحديات مضاعفة. فالدولة، التي تواجه أزمات سياسية واقتصادية ومالية، قد تجد نفسها أمام موجة نزوح كبيرة من الجنوب، بما يفرض أعباء إضافية على البنية التحتية والخدمات العامة. كما أن إفراغ القرى الحدودية يطرح إشكاليات تتعلق بالسيادة، إذ إن غياب السكان يضعف الحضور اللبناني الفعلي على الأرض، ويخلق فراغاً قد يُستغل لفرض وقائع جديدة.

إقليمياً، لا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الأوسع الذي يشهد توترات متصاعدة على أكثر من جبهة. فإعادة رسم الواقع في الجنوب اللبناني قد تكون جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، خصوصاً في ظل الترابط بين الساحات المختلفة، وهذا ما يجعل أي خطوة من هذا النوع قابلة للتدحرج بسرعة نحو مواجهة إقليمية مفتوحة.

خلاصة الكلام، تبدو هذه الخطة، إذا ما مضت بها إسرائيل قدماً، بمثابة مقامرة استراتيجية تحمل في طياتها فرصاً محدودة للنجاح مقابل مخاطر كبيرة للتصعيد. فمحاولة إعادة تشكيل الواقع بالقوة قد تمنح تفوقاً ميدانياً مؤقتاً، لكنها، في المقابل، تعمّق جذور الصراع وتفتح الباب أمام جولات جديدة أكثر عنفاً وتعقيداً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى