خاصأبرزرأي

ما حقيقة مخطط تهجير الشيعة الى العراق

باسم المرعبي ـ ناشر موقع “رأي سياسي”:

لم يعد المشهد في الجنوب اللبناني يُختصر بقرى مدمّرة، أو منازل سُوّيت بالأرض، أو حقول احترقت تحت القصف الإسرائيلي اليومي. فمع اتساع حجم التدمير الممنهج الذي طال البشر والحجر والشجر، وصولاً إلى اقتلاع أشجار الزيتون واستهداف معالم تراثية وأثرية تختزن ذاكرة المكان، بدأ يتسلل إلى الساحة السياسية سؤال بالغ الخطورة: هل ما يجري في الجنوب والبقاع الغربي والأوسط، والضاحية الجنوبية، يتجاوز حدود الحرب العسكرية إلى محاولة إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للبنان؟

هذا السؤال لم يولد من فراغ، بل من تراكم مشاهد الخراب الهائل، ومن الإحساس المتزايد بأن الجنوب يُدفع تدريجياً نحو فقدان مقومات الحياة الطبيعية. فحين تُدمّر البيوت، وتُجرف الأراضي، وتُحرق الحقول، وتُستنزف البنية الاجتماعية والاقتصادية، يصبح البقاء نفسه معركة يومية تفوق قدرة كثيرين، خصوصاً في ظل غياب أي أفق واضح لإعادة الإعمار أو ضمانات دولية تمنع تكرار هذه الحرب.

في خلفية هذا النقاش، يعود إلى الذاكرة ما كان يُتداول خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية عن مشاريع دولية وإقليمية هدفت إلى إعادة توزيع الجماعات اللبنانية عبر الهجرة أو التهجير المقنّع، ومنها الحديث القديم عن خطة نُسبت إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر لنقل أعداد كبيرة من المسيحيين اللبنانيين إلى الخارج، وتحديداً إلى كندا، عبر بواخر عن طريق البحر، ضمن تصورات كانت تقوم على أن لبنان بصيغته التاريخية بات عاجزاً عن الاستمرار.

صحيح أن تلك الطروحات بقيت في إطار التسريبات والروايات السياسية غير المثبتة بشكل كامل، إلا أن مجرد استعادتها اليوم يعكس حجم القلق المتصاعد من أن يتحول التدمير الإسرائيلي الحالي إلى وسيلة ضغط تؤدي عملياً إلى تفريغ مناطق كاملة من سكانها، ليس عبر التهجير القسري المباشر، بل عبر دفع الناس إلى الاقتناع بأن الحياة لم تعد ممكنة في أرضهم.

وما يعزز هذه المخاوف أن جزءاً كبيراً من أبناء الجنوب يعيش اليوم بين خيارين أحلاهما مرّ: العودة إلى قرى مدمرة تفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار، أو البقاء في المناطق التي لجأوا إليها، أو في بلدان الاغتراب حيث تتوافر فرص العمل والتعليم والأمان. وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع وجود أعداد كبيرة من العائلات التي تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء حياة مستقرة خارج لبنان، الأمر الذي يجعل فكرة العودة لإعادة بناء منزل قد يُدمّر مجدداً خياراً بالغ الصعوبة، لا بل مستحيلاً.

ويتردد خلف الكواليس كلام عن توجه متزايد لدى بعض العائلات الشيعية إلى نقل استقرارها النهائي إلى الخارج، سواء إلى أفريقيا أو أوروبا أو أميركا اللاتينية أو حتى العراق، بحكم الروابط الدينية والاجتماعية والسياسية القائمة. ورغم أن الحديث عن “تهجير منظم” قد يبدو مبالغاً فيه لدى البعض، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في ما يمكن تسميته “الهجرة القسرية”، أي خلق ظروف معيشية وأمنية تجعل الرحيل يبدو الخيار الوحيد المتاح.

فإسرائيل تدرك جيداً أن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الخسائر العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على تفكيك البيئة الاجتماعية والنفسية لـحزب الله. ومن هنا، فإن استهداف القرى الحدودية بهذا الحجم، وضرب دورة الحياة الاقتصادية والزراعية، يحمل أبعاداً تتجاوز الرسائل العسكرية المباشرة إلى محاولة إنتاج واقع جديد على طول الحدود الجنوبية، واقع تكون فيه الأرض خالية أو شبه خالية من سكانها الأصليين.

لكن، في المقابل، تبدو المسألة أكثر تعقيداً مما يُطرح في بعض التحليلات المتشائمة. فالبيئة الجنوبية، رغم حجم الجراح، لا تزال ترتبط بعلاقة وجدانية عميقة مع الأرض، وقد أثبتت تجارب الحروب السابقة أن كثيرين يعودون إلى قراهم حتى بعد الدمار الهائل. كما أن فكرة اقتلاع جماعة كاملة من جذورها ليست مسألة سهلة في بلد يقوم أساساً على التوازنات الطائفية والديموغرافية الحساسة.

ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مشروع تهجير مباشر، بل في تحول لبنان تدريجياً إلى بلد يطرد أبناءه، حيث تصبح الهجرة الخيار الطبيعي للأجيال الجديدة. عندها، لا يحتاج أحد إلى سفن أو خطط معلنة أو اتفاقات سرية، لأن النزيف البشري يحصل تلقائياً تحت ضغط الخوف والانهيار وانعدام الأمل.

نختم لنقول: قد لا تكون هناك خطة معلنة لتهجير شيعة الجنوب إلى العراق أو إلى أي مكان آخر، لكن ما يجري على الأرض يفتح الباب واسعاً أمام تبدلات ديموغرافية خطيرة إذا استمرت الحرب والتدمير والإهمال الدولي. فحين تُدمّر الذاكرة والحياة معاً، يصبح الرحيل احتمالاً قائماً، لا كخيار سياسي فقط، بل كوسيلة للبقاء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى