رأي

مشكلة الرئاسة في لبنان: الغموض الخارجي والوضوح الداخلي.

كتب رفيق خوري في إندبندت بالعربي.

تعددت المواعيد وتضاربت الوعود بالنسبة إلى انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، فالأول من سبتمبر (أيلول) الماضي كان بداية المهلة الدستورية التي مدتها شهران لانتخاب رئيس يخلف الرئيس ميشال عون الذي تنتهي ولايته في الـ31 من أكتوبر (تشرين الأول)، لكن المهلة انتهت من دون انتخاب والشغور الرئاسي مستمر منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولبنان على موعد جديد في سبتمبر (أيلول) الجاري لا لتحقيق الاستحقاق الرئاسي المتأخر، بل مع الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان للبحث في “المواصفات” المطلوبة في الرئيس ثم للتداول في التسمية.

ولا أحد يعرف متى يمكن ملء الشغور الرئاسي، ولا شيء أفظع من الإيحاء بأن “الظروف لم تنضج بعد” لانتخاب رئيس بعد عام من المهلة الدستورية و10 أشهر من الشغور الرئاسي في بلد يقترب من الانهيار الكامل مالياً واقتصادياً واجتماعياً ومن تحلل ما بقي من مؤسسات الدولة ومن أكبر خطر وجودي مصيري.

الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أوفد لودريان بعد أن فشلت المبادرة الفرنسية المنحازة إلى خيار “الثنائي الشيعي” بالتالي إلى إيران، قال في الاجتماع السنوي لسفراء فرنسا في العالم إن “أحد العناصر الأساسية من أجل حل سياسي في لبنان سيمر بتوضيح التدخلات الإقليمية بما فيها التدخل الإيراني”.

ولم يتردد ماكرون في الإشارة الصريحة إلى السلوك الإيراني “المزعزع للاستقرار في المنطقة”، لكن الرد عليه جاء سريعاً من الزائر الإيراني لبيروت وهو وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان بالقول “أنصح السيد ماكرون بالتركيز على الوضع داخل فرنسا بدلاً من التدخل في مسائل الآخرين”.

ولم ينصح أحد الوزير بأن يتوقف عن سرد النكتة السوداء التي يكررها المسؤولون في جمهورية الملالي، وهم يسلحون ويمولون “حزب الله” المهيمن على لبنان واللاعب الإقليمي في سوريا والعراق واليمن ضمن المشروع الإيراني، وخلاصتها أن “إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان”، لا بل إنه يتوسع ليقول “ليست لدى إيران والسعودية النية في التدخل لأن الانتخاب شأن داخلي”.

والواقع أن أبرز عاملين وراء الاستمرار في الشغور الرئاسي هما الغموض الخارجي والوضوح الداخلي، فالتحولات الإقليمية والدولية في حال سيولة، والقوى الخارجية، لا سيما “الخماسية” العربية والدولية لا تزال تحاذر من تسمية أي مرشح بعد أن سارعت باريس إلى التسمية وفشلت، والعادة أن يتم انتظار ما يسمى “الوحي”.

وكان “الوحي” في بدايات الاستقلال اللبناني عن فرنسا يأتي من مصر وبريطانيا، ثم من مصر وأميركا، ثم من سوريا وأميركا، ثم من سوريا وحدها، ثم صار “حزب الله” المرتبط بطهران يصر على أن يكون الخيار له، وهو ترك البلد في شغور رئاسي لمدة عامين ونصف العام إلى أن ضمن المجيء بالجنرال ميشال عون رئيساً.

وما يفعله “الثنائي الشيعي” هذه الأيام هو فرض الشغور الرئاسي إلى ما شاء الله ما دام طريق القصر الجمهوري مغلقاً أمام مرشحه، وهو مصر على مرشح عاجز عن إيصاله ورافض للذهاب إلى جلسة انتخابية متعددة الدورات بحسب الدستور، فيعمد إلى تعطيل نصاب الجلسة بعد الدورة الأولى مباشرة.

في المقابل، فإن الفريق المعارض من بقية الطوائف يرفض التسليم بما يريده “الثنائي” المراهن على تعب الناس وقسوة الأزمات كما حدث عام 2016، والدعوات إلى “الحوار” هي مجرد حيلة منه لابتزاز الموافقة على خياره.

والمفارقة أن رئيس البرلمان نبيه بري وهو أحد ركني “الثنائي” يعلن في خطاب أخير أن “الاستحقاق الرئاسي لا يتم بفرض مرشح”، والسيد حسن نصرالله الركن الآخر المسلح حتى الأسنان يتحدث عن “جهات تدفع البلد إلى حرب أهلية”، لكن لبنان لا يزال يدفع ثمن الحرب الماضية ولا أحد يريد أو يستطيع الذهاب إلى حرب أهلية جديدة في بلد مفلس.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى