مارك روته.. البائع في المكتب البيضاوي

توماس إس. كارات – Antiwar:
تريليون ترامب ليس هدية للولايات المتحدة، وهو اقتصاد حربي أوروبي يحمل علامة أميركية، باعه رجل دمر جيش بلاده عندما كان ذلك مناسباً.
في زيارته للمكتب البيضاوي بتاريخ يوم 24 الشهر الماضي، نهض الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته من مقعده، وبدأ عرضاً ترويجياً أمام لوحتي عرض فوقهما مخططات عنونها باسم تجاري هو “تريليون ترامب”، أي المال الإضافي الذي ضخه الأوروبيون والكنديون في مجال الدفاع منذ أن تولى دونالد ترامب منصبه لأول مرة عام 2017، بمبلغ 1.2 تريليون دولار في المجموع، وأكثر من 250 مليار دولار منها في العامين الماضيين وحدهما، ثم التفت إلى الرئيس وألقى الجملة التي يحتفظ بها البائع عادة للمرحلة النهائية في عرضه قائلاً لترامب مشيراً إلى اللوحتين: “هذه هي أدلتك”.
لا شك في أن هذا المشهد جدير بالتوقف عنده. فالرجل الذي حكم هولندا لمدة 14 عاماً، وهي أطول مدة رئيس وزراء خدمة في تاريخ بلاده، قام بمهمة استخدام اللوح في البيت الأبيض ليقدم منتجه باسم “الزبون”، تماماً كما يطلق على أجنحة المستشفيات اسم المتبرع الذي دفع تكلفتها.
هو مارك روته نفسه الذي وصف ترامب في قمة الحلف في العام الماضي بأنه “بابا”، مثل الامتنان في زيارته مؤخراً للبيت الأبيض الذي قدمه كعرض مسرحي، والتملق كسياسة، وقال لترامب أمام الحضور: “بالنسبة إلي، أنت قبل كل شيء زعيم العالم الحر”.
مع ذلك، كانت هناك مسألة لم تظهرها المخططات، وكان الجيش الألماني قد نشره بالفعل على موقعه الإلكتروني، عن افتراض وزارة الدفاع الألمانية أن روسيا قد تكون قادرة على شن هجوم واسع النطاق على أراضي دول حلف “الناتو” بداية من العام 2029.
هذا ليس كلاماً عابراً نشر على منصة، بل هو الأساس لأول مفهوم شامل للدفاع العسكري في ألمانيا، ووثيقة تترجم استراتيجية الأمن القومي للبلاد إلى تخطيط عملي ملموس لأول مرة، إذ أعلن رئيس الأركان العامة للدفاع الجنرال كارستن بروير جدولاً زمنياً من 3 مراحل وصولاً إلى العام 2029، عنونها “جاهزية القتال هذه الليلة”، والقدرة على تحمل هجوم كبير، وردعه نهائياً عام 2039، وقال: “لم يكن الأمر بهذه الجد من قبل”.
أما قائد الجيش الألماني كريستيان فرويدنغ، فقد وصف الأمر بعبارات أكثر مباشرة، قائلاً للصحافيين في معرض جوي في برلين، إن “عام 2029 ليس جدولاً زمنياً ألمانياً، بل هو معلومات استخبارية متفق عليها” داخل حلف “الناتو”، موافق عليها من أعضاء الحلف جميعهم بأن “روسيا قد تتحرك في وقت أقرب، ويجب أن نكون مستعدين للقتال”.
الرجل الذي حكم هولندا لمدة 14 عاماً، وهي أطول مدة رئيس وزراء خدمة في تاريخ بلاده، قام بمهمة استخدام اللوح في البيت الأبيض ليقدم منتجه باسم “الزبون”
هذه هي المشاريع والخطط التي يُطلب من دافع الضرائب الأميركي تمويلها؛ فبينما كان الأمين العام في واشنطن يهنئ الرئيس ترامب على تريليون دولار، كان الجيش الألماني يعلن للجمهور أن المال يشتري حرباً تقليدية على القارة الأوروبية خلال 4 سنوات. فالرسوم البيانية والعد التنازلي للمشروع قد بدأ بوجهه الأول حين قدم روته الفاتورة، والوجه هو ما سيدفع مقابل الفاتورة، التي قدمها روته على أنها إنجاز وطريقة غريبة للاحتفال، بينما إعادة التسلح التي يعتبرها قادة التحالف أنفسهم تمهيداً لحرب يتوقعونها خلال 4 سنوات.
التاريخ المحدد في التقرير في العام 2029، يستحق تدقيقاً أكبر مما حصل عليه حتى الآن. فالحرب الروسية المفترضة على أوروبا لم تُعترض كمعلومات مستقاة من وثائق روسية، بل إنها استنتاج وتوقعات لمسارات إعادة التسلح الروسية، وعدد القوات، وإنتاج الدبابات خلال سنة كاملة، لكن إمكانية جمع توقعات لا تجعل منها استشرافاً، وروسيا التي تخوض عامها الخامس في أوكرانيا تكبدت أكثر من مليون إصابة لتحريك الجبهة بضعة أميال، وليس واضحاً أنها مهيأة لاجتياح دول حلف “الناتو” المسلح نووياً. مع ذلك حدد تاريخ لهذه الحرب، وهو يعمل بنشاط مخيف، ويفعل ما لا يستطيع أن يفعله النقاش المحسوم في بدء العد التنازلي.
مع ذلك، الإجماع أيضاً أقل إجماعاً مما توحي به الكلمة. ففي معرض برلين الجوي أيضاً، قال القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا في “الناتو” الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش للصحافيين، إنه “دقق بالمعلومات الاستخباراتية من كثب”، وتوصل إلى استنتاج معاكس، واعتبر أن روسيا لا تسعى إلى صراع مع الحلف، لأنها تدرك أنه كتلة دفاعية ذات مزايا حاسمة غير متكافئة. فالرجل المسؤول عن القتال فعلياً في الحرب التي يواعدها الجنرالات الألمان، لا يبدو أنه يصدق أنها مقبلة. والخلاف بين القائد الأعلى لتحالف “الناتو” وبرلين التي تحذر بأعلى صوت، هو الجزء المخفي في عرض روته في البيت الأبيض.
روته كان يبحث عن التاريخ في المكتب البيضاوي، لكنه لم يحقق ذلك كثيراً، مع أن ترامب قال إن الزيادة التي بلغت تريليون دولار حققت “شيئاً لم يتحقق منذ عهد أيزنهاور”، وهي مساواة الأوروبيين في إنفاقهم الدفاعي مع الولايات المتحدة، مع أنه يصعب تصور كلمات مُنبهة أكثر من كلمة دوايت أيزنهاور أهمية واستمراراً لم تكن حول حمل الحلفاء على الإنفاق أكثر، بل كانت تحذيراً في خطابه الوداعي عام 1961، إذ قال الجنرال الذي قاد أضخم آلة حربية في التاريخ للأميركيين إنه يجب “الحذر من اكتساب نفوذ غير محق، سواء أكان مقصوداً أم غير مقصود، من جانب المجمع الصناعي العسكري.
هذه هي المفارقة في صميم هذا العرض بأكمله، وتريليون ترامب هو النفوذ غير المحق الذي أشار إليه أيزنهاور، وقد أعيد تسويقه بوصفه إنجازاً فوق خشبة عرض روته الذي فصل الغنائم، وقدم حساباً بأن الإنفاق العسكري لأوروبا أتاح نحو 112,000 وظيفة في مصانع الدفاع الأميركية، مع سجل طلبات متراكم بقيمة 300 مليار دولار موجود بالفعل في الدفاتر.
وقدم روته هذه الأرقام كأنها أنباء سارة، وهي بالنسبة إلى المقاولين كذلك بالفعل. فاقتصاد الحرب هو، من جملة أمور أخرى، برنامج وظائف، وكان يباع لرئيس يحب أن يرى اسمه على المباني من جانب رجل كان قد وضعه تواً في لجة الحرب.
اقتصاد الحرب هو، من جملة أمور أخرى، برنامج وظائف، وكان يباع لرئيس يحب أن يرى اسمه على المباني
لفهم كيف أصبح روته أحد أكثر المبشرين حماساً لإعادة التسلح في أوروبا، من المفيد أن نتذكر ما فعله عندما كانت السياسة تسير في اتجاه المعاكس. ففي نيسان/ أبريل 2011، وجه رئيس الوزراء الهولندي مارك روته ضربة بفأس إلى جيش بلاده، حين قامت حكومته بفصل 12,000 وظيفة من القوات المسلحة الهولندية أكثر من واحد من كل 6 أفراد بالزي الرسمي، وباعت 19 طائرة إف 16، وفككت 17 مروحية، وأسطول من مراكب صائدة للألغام، وأُوقف العمل بـ60 دبابة هي كل ما تمتلكه هولندا، وظهر الجيش الهولندي مجوفاً إلى درجة أنه بحلول عام 2016، انخفض الإنفاق الدفاعي الهولندي إلى 1.17% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من المتوسط الأوروبي.
وهذا هو الرجل ذاته الذي يجوب العواصم الغربية الآن ويطالب بإعادة تسلح أوروبا كلها بزيادة موازناتها الدفاعية إلى نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لأجل الحرب مع روسيا. ومع أن التناقض ليس نفاقاً بحد ذاته، لكنه علامة على ذلك. فعندما كان التقشف هو الموضة والميزانية الدفاعية بحاجة إلى التقشف، وجد روته أن التهديد الروسي غير مرئي بما يكفي ليقضي على جيشه، والآن بعد أن أصبح إعادة التسلح موضة، أصبح التهديد الروسي وجودياً بما يكفي لإعادة ترتيب اقتصاد القارة بأكملها حوله.
هذه القناعة تأتي من تتبع المسار المهني لروته، لا لذكائه. فالرجل تخلص من آخر دبابة في بلاده، ولم يكتشف الخطر الروسي من جديد إلا بعد 15 عاماً، ومن خلال قراءة بتقرير واحد، مع أن اكتشافه متصل بجلوسه على المقعد الكبير الذي كان هدية، فحصول روته على وظيفة الأمين العام لحلف “الناتو” ليس مخفياً في غرفة خلفية، وقد روى الذين أوصلوه بأنفسهم في أول اجتماع لهم في المكتب البيضاوي بعد إعادة انتخاب ترامب، حيث تذكر الرئيس ترامب تعيين روته بالمنصب وقال: “كان علينا أن ندعمه، وقد دعمناه بمجرد أن سمعت اسمه. أما روته من جانبه، فقد خاطب الرئيس بـ”عزيزي دونالد”، ونسب إليه شخصياً فضل موجة الإنفاق الأوروبي الدفاعي. كذلك، كان روته قد سجل موقفاً متشدداً في الولاء لضفتي الأطلسي، وأبدى استعداداً لمجاملة ترامب من أرفع منصب عسكري في القارة الأوروبية. ليس من الضروري الادعاء أن صفقة سرية لرؤية صورة الأمر. فالخدمات قدمت علناً، وكذلك كانت المكافأة.
لا بد من كلام فظ يمكن للقراء أن يختاروها بأنفسهم، لوصف مسؤول عام يقدم الامتنان بسخاء لراع أجنبي، بينما يقود قارته نحو حرب. فما يمكن قوله بلا مراوغة عن أن حرباً بين روسيا وأوروبا لا تخدم أي مصلحة هولندية ولا يمكن لأحد أن يوضحها. والرجل الذي يدفع بأشد قوة نحو هذا الاشتباك هو نفسه الذي قرر، عندما لاءم ذلك ميزانيته، أن هولندا بالكاد تحتاج إلى جيش على الإطلاق، حيث مهما كان ما يخدمه روته الآن، فليس هو البلد الذي كان يديره سابقاً.
وهنا يتحول المشهد من مهزلة إلى شيء أكثر برودة، وهو مهم للأميركيين أكثر. ففي حين شكر روته ترامب على تأمين دفاع أوروبا، كان البنتاغون التابع لترامب يفكك قواعده العسكرية في أوروبا بهدوء. وفي يوم 12 من الشهر الماضي، أي في اليوم التالي لتحديد الجنرال الألماني موعد الحرب في عام 2029، وقبل 12 يوماً من عرض روته في المكتب البيضاوي، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الولايات المتحدة تخطط لخفض حاد في عدد الطائرات الحربية والسفن الحربية التي تضعها تحت تصرف حلف “الناتو” في أوروبا، وخفض عدد مقاتلات إف 16، وإف 15 من نحو 150 إلى 100، وخفض عدد طائرات الاستطلاع البحري من 26 إلى 15، وأنها سحبت جميع طائرات التزود بالوقود جواً وهي 8، وسحبت غواصة وحاملة طائرات، وعدة سفن حربية، وقوة مهمات من القاذفات إلى أماكن أخرى خارج أوروبا.
وقد عبر قائد الدفاع الأوروبي في البنتاغون عن هذه السياسة بشكل مباشر، واصفاً اعتماد التحالف على القوات الأميركية بأنه “اعتماد غير صحي يحتاج إلى تغيير، وسيتغير”. وإذا قرأ الحدثان معاً، يظهر أن الرجل الذي ينسب إليه في المكتب البيضاوي مسؤولية أمن أوروبا توثق أنه في الأسبوعين الماضيين هو نفسه من تخلى عن الأمن، ويضع أوروبا في اقتصاد حرب، بينما الحليف الأميركي يتجه نحو الخروج من القارة، وفي حين أن الأوروبيين يدفعون الفاتورة إلى المجمع الصناعي العسكري، والعد التنازلي إلى العام 2029 انطلق، والأميركيون الموقع اسم رئيسهم على لوحتي روته يجهزون انتقالهم بهدوء.
الرجل الذي ينسب إليه في المكتب البيضاوي مسؤولية أمن أوروبا بدا أنه في الأسبوعين الماضيين هو نفسه من تخلى عن الأمن
هذا هو الفخ الذي يستحق التسمية بما هو عليه، حيث يطلب من المواطن الأميركي مشاهدة مسؤول أجنبي يتملق رئيسه، ويضع توجهاً لآلة حرب قارية، أن يشعر بالرضا عن الوظائف التي تخلفها، بينما يتخلى الجيش الأميركي عن التزامه بالدفاع عن المكان الذي تبنى تلك الآلة للقتال من أجله.
تريليون ترامب ليس هدية للولايات المتحدة، وهو اقتصاد حربي أوروبي يحمل علامة أميركية، باعه رجل دمر جيش بلاده عندما كان ذلك مناسباً، وأعاد اكتشاف التهديد الروسي في اللحظة التي جلس فيها على كرسي المنصب الكبير.
قال أيزنهاور للأميركيين من الغرفة ذاتها لاجتماع ترامب وروته، أن يظلوا يقظين من الاستيلاء البطيء على مجتمع حر بواسطة آلية الحرب الدائمة، ومن الرجال الذين يتاجرون بها ويسمون الحرب أمناً.




