لماذا تتعثر مفاوضات ترامب مع إيران؟

ليلى نقولا -الميادين:
“إسرائيل” تحتاج إلى التصعيد لأسباب داخلية، بينما الولايات المتحدة تحتاج إلى التهدئة للأسباب نفسها، وهو ما يجعل المفاوضات تتقدم ببطء، وتصعيد عسكري يستمر في الخلفية تجاه إيران.
تشير استطلاعات الرأي الصادرة في أيار/مايو 2026 إلى تحوّل واضح في المزاجين الإسرائيلي والأميركي، حيث يتقاطع العامل المشترك بينهما في تراجع الثقة بالمستوى السياسي وتصاعد الإحباط من نتائج الحرب على إيران.
في “إسرائيل”، تُظهر نتائج شهر أيار لاستطلاع يقيمه شهرياً “معهد الأمن القومي الإسرائيلي” INSS، أن الثقة برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تراجعت إلى 33%. وحول نتائج الحرب على لبنان وإيران، يعتقد 48% أن وضع “إسرائيل” الأمني قد ساء مقابل لبنان، بينما اعتبر 28% أنه تحسن. وقال 45% إن الوضع ساء مقابل إيران فيما اعتبر 31% أنه تحسن.
في المقابل، تكشف استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة عن مسار مشابه من حيث النتيجة، وإن اختلفت أسبابه. فقد تراجع تأييد الرئيس دونالد ترامب إلى حدود 35% فقط (استطلاع ابسوس/ رويترز). ويرتبط هذا التراجع مباشرة بالحرب على ايران، إذ تُظهر الأرقام أن 61% يعتبرون التدخل العسكري أصلاً قراراً خاطئاً. كما أن التقييم لنتائج الحرب سلبي بوضوح: فقط 19% يرون أن العمليات كانت ناجحة. ويُضاف إلى ذلك العامل الاقتصادي، إذ يرى 86% من الأميركيين أن الحرب أضرت بكلفة المعيشة وعمّقت الأزمة الاقتصادية.
انطلاقاً من تلك الأرقام، يمكن القول إن نتائج الاستطلاعات تعكس أزمة ثقة في كل من الولايات المتحدة و “إسرائيل”، وأن الجمهورين يلتقيان عند النتيجة نفسها، أي الإحباط من نتائجها، لكن يختلفان في التصورات لما يجب أن يتم فعله.
- “إسرائيل”: جمهور قلق داعم للحرب
لم تعد الحروب في العالم المعاصر تُفهم فقط من خلال ميزان القوى العسكرية، ولا حتى من خلال توازنات الردع الإقليمي والدولي، بل أيضاً يمكن أن تُقرأ من الداخل، أي من داخل المجتمعات أو ما يسمّيه الإسرائيلي “الجبهة الداخلية”.
بعد حرب تموز 2006، أشار تقرير فينوغراد إلى انهيار الجبهة الداخلية الإسرائيلية كأحد أسباب الفشل الإسرائيلي في الحرب، وأعطى توصيات لمعالجة هذه الثغرة في حروب “إسرائيل” القادمة. وبالرغم من أن الاستطلاعات تعكس تراجعاً في الثقة بنتنياهو والمستوى السياسي، فإن المجتمع الإسرائيلي ما زال يؤيد الحرب واستمرارها على لبنان وإيران بغالبية كبرى.
واقعياً، تعيش “إسرائيل” منذ فترة حالة تآكل متسارع في الثقة بين الجمهور والقيادة السياسية. هذه الأزمة لم تبدأ مع الحرب على إيران، لكنها تفاقمت معها. فالحروب الطويلة، أو تلك التي تبدو بلا حسم واضح، تضعف بطبيعتها شرعية الحكومات، خصوصاً في مجتمع قام تاريخياً على فكرة “الأمن مقابل الشرعية” كالمجتمع الإسرائيلي.
في هذا السياق، يبدو لاستطلاعات الرأي أهمية كبرى في القرارات التي تتخذ حول وقف الحرب في المنطقة والدخول في تسوية. إن إشارة الغالبية في “إسرائيل” إلى الرغبة باستمرار الحرب، يؤدي إلى فهم حاجة الحكومة الإسرائيلية إلى التصعيد كخيار استراتيجي وحاجة سياسية، إذ إن الذهاب إلى تسوية سوف يفسَّر داخلياً على أنه تنازل أو “فشل في تحقيق الأهداف”.
وبالتالي، إذا كان استمرار الحرب على إيران مكلفاً أو غير متاح، فإن التعويض – بالنسبة إلى نتنياهو- يمكن أن يكون في لبنان وغزة والضفة الغربية.
الولايات المتحدة: أزمة شعبية تبحث عن مخرج
في المقابل، تبدو الصورة في الولايات المتحدة مختلفة جوهرياً. التراجع في شعبية الرئيس دونالد ترامب يرتبط بالكلفة التي يتكبدها المواطن الأميركي في حرب تعتقد الغالبية العظمى أنها كانت “حرب خيار”.
بعكس المجتمع الإسرائيلي، لا ينظر المجتمع الأميركي إلى الحرب مع إيران كمسألة وجودية، بل كحرب تفيد “إسرائيل” وتحقق مصالحها أكثر مما تحقق مصالح الولايات المتحدة الأميركية. ولهذا، عندما تحوّلت تلك الحرب إلى عبء اقتصادي وسياسي، فإن الحل هو إنهاؤها لا توسيعها.
وهكذا، تصبح أولوية ترامب لتحسين شعبيته، هو تحسين الوضع الاقتصادي، وتقديم اتفاق مع ايران بصورة “إنجاز عظيم”، وتجنب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة قد تكون نتائجها غير مضمونة.
وحين ننظر إلى أن الطرفين (الإسرائيلي والأميركي) يستعدان لانتخابات في خريف هذا العام، يمكن أن ندرك أن تأثير الناخب في البلدين يكون أكبر، ما يعني أن ترامب يحتاج إلى أن ينهي الحرب لكسب الانتخابات، بينما نتنياهو يحتاج أن يستمر بالحرب لكسبها.
وهكذا، تظهر المعادلة: أزمة الثقة الداخلية في “إسرائيل” تدفع نحو التصعيد. أما في الحالة الأميركية، فإن أزمة الثقة الشعبية تدفع نحو البحث عن التسوية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تجعل من المفاوضات الأميركية مع إيران معقدة، ولا تصل إلى حل.
“إسرائيل” تحتاج إلى التصعيد لأسباب داخلية، بينما الولايات المتحدة تحتاج إلى التهدئة للأسباب نفسها، وهو ما يجعل المفاوضات تتقدم ببطء، وتصعيد عسكري يستمر في الخلفية تجاه إيران، وحرب لا تتوقف في لبنان.




