أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: المظلّة الأممية في الجنوب

مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أواخر عام 2026، يعود النقاش بقوة حول مستقبل الوجود الأممي في الجنوب اللبناني ودوره في مرحلة تتسم بحساسية سياسية وأمنية غير مسبوقة. فالتطورات التي تشهدها الحدود اللبنانية – الإسرائيلية أعادت التأكيد على أهمية وجود آلية دولية قادرة على لعب دور الوسيط والمراقب والضامن لمنع الانزلاق نحو حرب جديدة في المستقبل.

إن الحديث عن الإبقاء على وجود عسكري تابع للأمم المتحدة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل لا ينطلق من اعتبارات تقنية أو إدارية فحسب، بل من قراءة واقعية للمشهد الإقليمي المعقد. فالحدود الجنوبية لا تزال تمثل إحدى أكثر نقاط التماس حساسية في الشرق الأوسط، فيما يبقى تطبيق القرارات الدولية المرتبطة بلبنان رهناً بتوازنات سياسية وأمنية لم تنضج بعد بشكل كامل.

ومنذ انتشارها في الجنوب، لعبت القوات الدولية دوراً يتجاوز مجرد مراقبة وقف الأعمال العدائية، فقد تحولت إلى عنصر استقرار أساسي من خلال التنسيق الدائم مع الجيش اللبناني، والمساهمة في احتواء الحوادث الميدانية، وفتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتنازعة. كما وفرت غطاءً دولياً ساهم، حتى ما قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في الحد من احتمالات الانفجار الشامل في أكثر من محطة دقيقة.

وفي ظل الدمار الذي خلّفته المواجهات الأخيرة والتحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان، تبدو الحاجة إلى استمرار الدعم الدولي أكثر إلحاحاً. فالجيش اللبناني، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها، يحتاج إلى مساندة لوجستية وتقنية ومالية تمكّنه من تعزيز انتشاره وقدراته العملانية على طول الحدود الجنوبية. ومن هنا تبرز أهمية أي صيغة أممية جديدة يمكن أن تستكمل المهام الحالية وتؤمّن استمرارية التعاون مع المؤسسة العسكرية اللبنانية.

في المقابل، لا يخلو الملف من تعقيدات سياسية، فهناك من يرى أن أي تعديل في طبيعة المهمة الأممية قد يثير سجالات داخلية حول الصلاحيات والأدوار وحدود التدخل الدولي. كما أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز الضمانات الأمنية على الحدود، فيما يتمسك لبنان بمبدأ احترام سيادته ورفض أي ترتيبات يمكن أن تفرض وقائع جديدة على الأرض.

ومع ذلك، يبدو أن القاسم المشترك بين مختلف الأطراف الدولية يتمثل في الاقتناع بأن الفراغ ليس خياراً. فانسحاب المظلة الأممية من دون بديل واضح قد يفتح الباب أمام مرحلة من الضبابية الأمنية، ويزيد من احتمالات سوء التقدير الميداني بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.

لذلك، يتجه النقاش تدريجياً نحو البحث عن صيغة تضمن استمرار الحضور الأممي بأشكال مختلفة، سواء عبر تجديد المهمة الحالية، أو تطويرها، أو استحداث إطار جديد أكثر انسجاماً مع المتغيرات التي فرضتها المرحلة الأخيرة. وفي جميع الأحوال، يبقى الهدف الأساسي واحداً، وهو حماية الاستقرار الهش على الحدود الجنوبية ومنع المنطقة من الانزلاق مجدداً إلى دوامة الحرب المفتوحة، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى كل عوامل التهدئة والدعم لإعادة بناء مؤسساته واستعادة عافيته الوطنية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى