خاصأبرزرأي

كيف أصبح الليل سلاحًا بيد واشنطن وطهران؟

حسين زلغوطخاص – رأي سياسي:

ليس من قبيل المصادفة أن تختار الولايات المتحدة تنفيذ معظم عملياتها العسكرية ضد إيران ليلًا، كما ليس من المصادفة أن تلجأ طهران، بدورها، إلى إطلاق القسم الأكبر من صواريخها وطائراتها المسيّرة في التوقيت ذاته. فالليل لم يعد مجرد ظرف زمني، بل تحول إلى جزء من معادلة الصراع، وإلى مساحة يحاول كل طرف استثمارها بما يخدم عقيدته العسكرية وأهدافه السياسية.

منذ حرب الخليج عام 1991، عملت الولايات المتحدة على تحويل الليل إلى ساحة تمنحها أفضلية حاسمة. فالتطور الهائل في الطائرات الشبحية، وأنظمة الاستشعار الحراري، والأقمار الصناعية، ومنظومات القيادة والسيطرة، جعل الظلام حليفًا للقوة الأميركية بدلًا من أن يكون عائقًا أمامها. ولم تعد واشنطن بحاجة إلى الرؤية التقليدية لتحديد أهدافها، بل باتت تعتمد على شبكة استخباراتية متكاملة قادرة على رصد التحركات العسكرية وتحديد مواقعها بدقة عالية، ثم توجيه الضربات خلال دقائق.

هذه المقاربة تعكس فلسفة عسكرية تقوم على السيطرة على المعلومات قبل السيطرة على الميدان. ففي الحروب الحديثة، لم يعد امتلاك القوة النارية وحده كافيًا، بل أصبحت القدرة على جمع المعلومات وتحليلها ونقلها بسرعة بين مختلف الوحدات العسكرية هي العنصر الحاسم في تحقيق التفوق. لذلك، فإن الضربات الليلية الأميركية ليست مجرد استثمار لميزة تقنية، وإنما تعبير عن عقيدة تعتبر أن الحرب تبدأ بالبيانات وتنتهي بالصواريخ.

لكن إيران، التي تدرك حجم الفارق التكنولوجي بينها وبين الولايات المتحدة، اختارت مسارًا مختلفًا. فهي لا تسعى إلى منافسة واشنطن في أدواتها، بل إلى تقويض فاعلية تلك الأدوات. ولهذا، اعتمدت خلال السنوات الماضية على تطوير استراتيجية تقوم على تشتيت الدفاعات، وتوزيع القدرات العسكرية، واستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة ضمن هجمات مركبة ومتزامنة، بما يرفع كلفة الاعتراض ويزيد الضغط على أنظمة الدفاع الجوي.

ومن هذا المنطلق، يصبح الليل بالنسبة لطهران وسيلة لتضييق هامش التفوق الأميركي، وليس لمواجهته بشكل مباشر. فإطلاق أعداد كبيرة من الأهداف في توقيت واحد يهدف إلى استنزاف منظومات الاعتراض، وتقليص الزمن المتاح أمام الخصم لاتخاذ القرار، وإرباك مراكز القيادة والسيطرة. إنها محاولة لتحويل نقطة القوة الأميركية إلى اختبار دائم لقدرتها على الاستجابة، وإثبات أن التفوق التكنولوجي لا يضمن، بالضرورة، السيطرة الكاملة على ساحة المعركة.

غير أن المعركة لا تُحسم بالتكنولوجيا وحدها، فالحرب النفسية تشكل ركنًا أساسيًا في الحسابات العسكرية. فالضربات الليلية لا تستهدف المنشآت فحسب، بل تسعى أيضًا إلى إرباك القيادة، وتعطيل الاتصالات، وخلق حالة من الضغط المستمر لدى العسكريين والمدنيين على السواء. لذلك، فإن اختيار الليل يحمل رسالة تتجاوز التدمير المادي، مفادها أن عنصر المفاجأة ما زال بيد المهاجم.

وفي الوقت نفسه، تحمل العمليات الليلية بُعدًا سياسيًا لا يقل أهمية عن بعدها العسكري. فالرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران لا تستهدف الطرف الآخر فقط، بل تمتد إلى الحلفاء والخصوم والرأي العام الدولي. فالولايات المتحدة تسعى إلى تأكيد قدرتها على الوصول إلى أي هدف، وفي أي وقت، بينما تحاول إيران ترسيخ صورة القوة القادرة على الرد، وإظهار أن أي هجوم لن يمر من دون تكلفة سياسية أو عسكرية.

لذلك، فإن ما يجري في سماء المنطقة ليلًا يتجاوز كونه تبادلًا للضربات. إنه صراع على فرض معادلة ردع جديدة، وعلى إثبات من يمتلك زمام المبادرة في مواجهة تتداخل فيها التكنولوجيا مع السياسة، والرسائل العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية.

هذا الاختلاف يكشف أن الطرفين لا يستخدمان الوسيلة نفسها للهدف ذاته. فواشنطن ترى في الليل مساحة لتأكيد الهيمنة العسكرية، بينما تعتبره طهران فرصة لتقليص الفجوة التي تفصلها عن خصم يمتلك تفوقًا تقنيًا واستخباراتيًا واسعًا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى