رأي

قمة الناتو.. الشرق الأوسط على الهامش

محمود الريماو – العربي الجديد:

انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) السادسة والثلاثون في واحدةٍ من حواضر الشرق الأوسط، أنقرة. وبينما شُغل المجتمعون برفع ميزانيات الدفاع في بلدانهم تحت ضغط الرئيس دونالد ترامب، ورفع وتيرة التعاون في تطوير الصناعات الدفاعية، وبالحرب على أوكرانيا، لم يول هؤلاء القادة الشرق الأوسط سوى النزر اليسر من اهتمامهم. وقد أبدى ترامب اهتماماً على طريقته عندما أذن بتوجيه ضربات جديدة على إيران، فيما كان الاجتماع يشارف على الانتهاء، وقد جنح إلى هذا التصعيد رداً على تصعيد إيراني باستهادف سفن تجارية في مضيق هرمز، منها ناقلة غاز قطرية، وكما لو أن هناك “ناتو” أميركياً بذاته وخارج المنظمة (32 بلداً). وقد شاركت أربع دول خليجية في مداولات أنقرة، الكويت وقطر والإمارات والبحرين، على أمل الإفادة من نفوذ هذه المنظّمة في مواجهة التحدّيات الإيرانية المتزايدة. وقد لوحظ غياب السعودية التي لطالما جرى تصنيفها في الماضي بأنها من الدول العربية الأقرب استراتيجياً إلى الولايات المتحدة ومعسكرها، ما يفيد بأنها كسرت الأحادية في علاقتها مع المراكز الدولية، وباتت تتطلّع إلى اعتماد أكبر على الذات. ومع السعودية، غابت عُمان التي نالتها تحرّشات لفظية من الإدارة الأميركية في الأسابيع الأخيرة على خلفية مواقفها المستقلة من الصراع الأميركي مع إيران. وقد لوحظ أن مسقط استقبلت وزير الخارجية السعودي، فيما كان اجتماع دول “الناتو”. هذا في وقت لا تلام فيه الدول الخليجية الأربع المشاركة في لقاء أنقرة على سعيها إلى تعزيز علاقاتها مع الحلف.

من حُسن الطالع والتدبير أن يرتفع صوت في صفوف “الناتو” يدعو إلى إحقاق العدالة في قطاع غزة المنكوب

وبينما أبدى القادة المجتمعون، في جزءٍ حيوي من الشرق الأوسط (بلاد الأناضول)، وجُلّهم أوروبيون، أقل اهتمام بهذه المنطقة في لقائهم هذا، فقد شهدت هذه المناسبة حضور الرئيس السوري أحمد الشرع الذي عقد لقاء مثمراً مع الرئيس ترامب، وسبقه لقاء مع وفد من الكونغرس كان هناك، بعد يوم من استقبال الشرع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون ووفداً كبيراً مُرافقاً في دمشق. وقد حمل الحضور الخليجي والسوري على ضفاف هذه المناسبة التذكير بأن السلم العالمي منوطٌ، في بعض جوانبه، بالاستقرار في الشرق الأوسط، ووقف استعراضات القوة في هذه المنطقة، وهذه الاستعراضات تسمية ملطّفة للتعديات الفجّة التي تتعرّض لها المنطقة من إسرائيل أولاً ودائماً، ثم من إيران.

لم يكن من المنتظر أن يحظى الشرق الأوسط باهتمام كبير من منظمة دولية كبيرة ذات وظيفة أمنية وعسكرية، غير أن انعقاد الاجتماع في تركيا كشف عن الأهمية المتزايدة التي ترتديها منطقتنا، وعن المكانة المتنامية للدولة المضيفة تركيا في موازين القوى. ولم تكن بعض ارتجالات ترامب بغير دلالة، حين قال، لدى وصوله إلى أنقرة، إنه لولا دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان له، ولولا انعقاد القمّة في تركيا، لما كان قد شارك في المناسبة. وهي رسالة إلى دولٍ عديدة في الحلف، ومعظمها أعضاء في الاتحاد الاوروبي تمانع منذ عقود ضم تركيا إلى هذا الاتحاد القارّي، تبيّن مكانة هذه الدولة. وقد نجحت تركيا بالفعل في الحفاظ على استقلال سياستها، وعلى تطوير قدراتها الدفاعية، إلى درجة دفعت ترامب إلى رفع القيود عن التعاون في مجال الصادرات الدفاعية، وبالذات الطائرات الأكثر تفوّقاً، إلى هذا البلد، فيما كان أردوغان يفاخر بما أصابته بلاده من تطوّر في صناعاتها الدفاعية، بما فيها بناء القبة الفولاذية، من أجل تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية.

تشكّل قمّة “الناتو” في أنقرة نجاحاً لافتاً لتركيا التي تمكّنت من رفع عقوبات أميركية عنها، ومن التمتع بحق شراء طائرات أف 35

وفي حين شُغل المجتمعون بالحرب على أوكرانيا، وهذا طبيعي، ومنحوا مخصّصات دفاعية عالية لهذا البلد، فإن الأصدقاء الأوروبيين لم يظهروا اهتماماً يذكر بالتعدّيات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان وسورية، رغم توقيع ما سمي اتفاق الإطار مع لبنان. ورغم أن سورية مشغولة بترتيب وضعها الداخلي وتحصينه، إلا أنها تتعرّض لاعتداءات مستمرّة، وهو تحدٍّ جسيم يقف في وجه تنمية العلاقات الأميركية السورية. وليس معلوماً ما قد تداوله الشرع وترامب في، في هذا الأمر فائق الأهمية، وحيث لا تكتم تل أبيب أطماعها التوسّعية في سورية ولبنان وغزّة. ولم يكن منتظراً أن يتطرّق ترامب إلى كارثة التوحش ضد أبناء غزّة.. إذ تفيد “معلوماته” بأن الحرب انتهت هناك. وقد أشار إلى ثماني حروب تمكّن من وضع نهاية لها، وغزّة المدمّرة في عدادها، إلا أن المضيف التركي لم يغفل هذه المسألة، ففي ختام الاجتماعات تحدث أردوغان الى وسائل الإعلام التركية، مشدّداً على أن “بلاده طرحت هذه القضية بإصرار خلال قمة الناتو”. وقال في هذا االشأن “نحن نرى ما يحدُث في غزة كارثة للشرق الأوسط، ويجب إحلال السلام والهدوء فيها في أقرب وقت”. ومن حُسن الطالع والتدبير أن يرتفع صوت في صفوف “الناتو” يدعو إلى إحقاق العدالة في القطاع المنكوب، بعد أن تمادى المحتلون في توحشهم، وتمادت أطراف عديدة في منطقتنا وفي عالمنا في تجاهل هذه الكارثة، وفي إدامة التعاون متعدّد الأوجه مع صانعي هذه الكارثة.

هكذا يمكن الاستخلاص أن قمّة “الناتو” في أنقرة تشكل نجاحاً لافتاً لتركيا التي تمكّنت من رفع عقوبات أميركية عنها، ومن التمتع بحق شراء طائرات أف 35، وكان لافتاً أن نتنياهو، في أثناء انعقاد القمّة، جعل يهذي بوصف تركيا بأنها ذات نظام متطرّف، ويجب عدم تزويدها بطائرات أميركية متفوقة، وهو ما جرى “الردّ” عليه بإعلان ترامب موافقته على هذه الصفقة، فيما جرى إلغاء زيارة كانت مقرّرة الأربعاء الماضي لوزير الحرب (الدفاع) الأميركي بيت هيغسيث إلى تل أبيب لبحث هذه المسألة، بعد أن بتّ بها إيجاباً ترامب. وها هي تموّجات السياسة تبلغ درجةً تتطيّر فيها تل أبيب، وترى نفسها في عداد الخاسرين من هذا الاجتماع للناتو، وهو الحليف العسكري التقليدي والتاريخي للدولة الصهيونية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى