شبكة أبناء ترامب العالمية.. المال والنفوذ ومصالح العائلة

بيتر أندرِينغا وأليكس روجرز وجورج ستي – صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية:
اغتنمت عائلة ترامب الفرصة لتعظيم أرباح أعمالها، وبناء شبكة معقدة من العلاقات المالية التي قد تفضي إلى تضارب في المصالح.
كان من المفترض أن تبقى الاجتماعات سرية، بموجب اتفاقات تمنع الإفصاح عن المعلومات وتعليمات صارمة تُلزم جميع المشاركين بالصمت. لكن عندما يصل الابن الأكبر لرئيس الولايات المتحدة إلى مدينة ما، برفقة عناصر من جهاز الخدمة السرية، تنتشر الأخبار سريعاً.
في مطلع الشهر الماضي، حظيت الجولة التي قام بها دونالد ترامب جونيور في منغوليا وإستونيا وبولندا باهتمام الصحافة والمنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي، في حين نالت محادثاته مع شركاء تجاريين محتملين، وكذلك لقاءاته مع كبار المسؤولين الحكوميين، تغطية أقل.
اعتاد ترامب جونيور وشقيقه إريك لقاء مسؤولين وسياسيين أجانب. وقد وثّقت صحيفة “فايننشال تايمز” ما لا يقل عن 18 لقاءً من هذا النوع منذ بدء الولاية الرئاسية الثانية لوالدهما في العام الماضي. وشملت هذه اللقاءات محادثات مع 6 رؤساء حكومات أو دول حاليين وسابقين على الأقل، و9 وزراء أو مسؤولين كبار، ومجموعتين من السياسيين من أماكن متباينة، مثل فيتنام وصربيا و”صوماليلاند”.
وبصفتهما نجلي الرئيس الأميركي الحالي، يبدو أنّ ترامب جونيور وإريك يُستقبلان في كثير من الأحيان باعتبارهما مبعوثين من إدارة ترامب، رغم أنّهما لا يشغلان أي منصب حكومي رسمي. ويقول ريتشارد بينتر، المحامي السابق لشؤون الأخلاقيات في البيت الأبيض خلال إدارة جورج بوش والمنتقد لترامب، إنّ لقاء ابني الرئيس قادةً أجانب بصفة دبلوماسية سيكون “غير لائق إلى حدّ بعيد”، فهما ليسا مبعوثين رسميين، ولا يخضعان للقوانين الخاصة بتضارب المصالح. ويضيف: “ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة ما قيل في هذه المحادثات”.
وقال المتحدّث باسم ترامب جونيور إنّه يوضح دائماً للمسؤولين الحكوميين الذين يلتقيهم أنّه ليس مبعوثاً عن والده، ولا يشارك في إدارته، وأنّه مواطن يتمتع بحقوق التعديل الأول للدستور، مثل أي أميركي آخر ملتزم بالقانون. ومهما كانت الصورة التي توحي بها هذه اللقاءات، فقد اغتنمت عائلة ترامب الفرصة لتعظيم أرباح أعمالها وبناء شبكة معقّدة من العلاقات المالية التي قد تفضي إلى تضارب في المصالح.
وجاء جزء كبير من الدخل الشخصي للرئيس ترامب العام الماضي، والذي تجاوز ملياري دولار، من مشاريع أبنائه. فقد جنى أكثر من 500 مليون دولار من بيع الرموز الرقمية التي أصدرتها شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، العاملة في مجال العملات المشفرة، والتي أسّسها الشقيقان معاً، فضلاً عن مئات الملايين من الدولارات من شركة العائلة العقارية التقليدية. وحقّقت “منظمة ترامب” عشرات الملايين من الدولارات من 20 مشروعاً جديداً على الأقل، أُطلقت في الخارج منذ حملة ترامب الانتخابية عام 2024، وفقاً لإعلانات الشركة وإفصاح الرئيس عن مصالحه المالية.
ولأنّ ترامب جونيور وإريك ليسا موظفين حكوميين، فإنّ علاقاتهما التجارية وأوضاعهما المالية أقل شفافية. وللشقيقين استثمارات وأدوار استشارية في شركات تعمل في قطاعات مختلفة، من بينها قطاعات تعيد السياسات الأميركية تشكيلها، مثل العملات المشفرة والدفاع والمعادن الحيوية. ويشعر الناخبون بالقلق من احتمال وقوع تجاوزات قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة الأسبوع المقبل. وأظهر استطلاع أجرته “فايننشال تايمز” بالتعاون مع “فوكال داتا”، ونُشر في نهاية الأسبوع الماضي، أنّ 69% من الناخبين المسجّلين في الولايات المتحدة يشعرون بقلق كبير، أو إلى حدّ ما، إزاء الفساد أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية أو تضارب المصالح.
ويقارن بينتر التعاملات التجارية العالمية للشقيقين بما قام به هانتر بايدن، الذي حقّق “الجمهوريون” في الكونغرس بشأن استثماراته وعضويته في مجلس إدارة شركة الطاقة الأوكرانية “بوريسما” خلال تولّي والده منصب نائب الرئيس. وينفي بايدن الابن ووالده ارتكاب أي مخالفات.
يقول بينتر: “أثرتُ ضجة كبيرة بشأن هانتر بايدن. وكان علينا اتخاذ موقف حازم والقول إنّ ما حدث خطأ”. لكنّه يرى أنّ ما يفعله ابنا ترامب يختلف من حيث الحجم. ويضيف: “دونالد ترامب يشجّع ذلك، وما يحدث أسوأ بألف مرة ممّا فعله هانتر بايدن”.
عشاء مع دون
حطّت الطائرة الخاصة بترامب جونيور في إستونيا عند الخامسة صباحاً، يوم 6 من الشهر الماضي، في زيارة عمل استمرت يوماً واحداً، وشملت عشاءً ضمّ 13 شخصاً في المكاتب الحديثة ذات اللونين الأحمر والأبيض لشركة متخصصة في برمجيات الكازينوهات عبر الإنترنت، ثم اختُتم اليوم بحفل لاحق في صالة للسيجار.
وضمّت قائمة الأميركيين المشاركين في العشاء براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، وبيلي ماكفارلاند، مؤسّس مهرجان “فاير”، ومايكل فرانزيزي، العضو السابق في المافيا في نيويورك. أمّا الحفل اللاحق، فضمّ مجموعة لا تقلّ تنوّعاً، بينها مشاهير في لعبة البوكر وممثلة إستونية وحاملة لقب ملكة جمال العالم في إستونيا للعام الحالي.
يقول كريغ هيلتون، مؤسس شركة “ستوديووركس” ومضيف الأمسية، لصحيفة “فايننشال تايمز”: “كل من لديه معرفة مباشرة بالوقائع ملتزم باتفاق عدم إفصاح من 55 صفحة، وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى قائمة الضيوف”. وكان من بين المدعوين شخص ينتمي بوضوح إلى المؤسسة السياسية، هو وزير خارجية إستونيا مارغوس تساخنا، الذي لم يحضر لعقد صفقة تجارية، إذ تسعى بلاده الصغيرة إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي ووجود حلف شمال الأطلسي لردع أي “عدوان” روسي محتمل، بعد غزو موسكو لأوكرانيا، الدولة المجاورة.
وقال تساخنا لمحطة “إي آر آر” الإستونية: “طُرح موضوع أوكرانيا كثيراً خلال اللقاء، وكان من المثير للاهتمام أن ألتقي شخصاً يتمتع بنفوذ كبير، مع أنّه ليس سياسياً ناشطاً، وأن أتعرّف إلى موقفه منّا. وقد أتاح اللقاء أيضاً فرصة لعرض رؤيتنا الخاصة للأمن والسياسة الاقتصادية. وربما تكون هذه الاتصالات مع شخصيات غير تقليدية داخل إدارة رئيس الولايات المتحدة مفيدة يوماً ما”. ورفض تساخنا الإجابة عن أسئلة الصحيفة بشأن العشاء.
وعلى الرغم من حضور أبرز دبلوماسيي إستونيا، وصف ترامب جونيور وآخرون شاركوا في العشاء الزيارة بأنّها خاصة. وقال المتحدّث باسم ترامب جونيور إنّ ابن الرئيس أبلغ الضيوف بأنّه لا يحضر بصفة رسمية. وأضاف: “من الواضح أنّ لديه آراء حيال قضايا سياسية مختلفة، لكنّه يوضح دائماً أنّ هذه الآراء تعبّر عنه شخصياً، ولا تمثّل الحكومة الأميركية”.
لكنّ اللقاء لم يكن المرة الأولى خلال ذلك الأسبوع التي يجتمع فيها ترامب جونيور بمسؤول أجنبي رفيع المستوى. فبعد زيارته إلى إستونيا، تناول ترامب جونيور العشاء مع رئيس منغوليا أوخناغين خورلسوخ، في العاصمة أولان باتور. ووُثّق اللقاء بصور نُشرت على صفحة متحدّث باسم الحكومة على منصة فيسبوك، وأشار المتحدّث في منشور إلى أنّ الطرفين ناقشا العلاقات الأميركية المنغولية والروابط التجارية.
ثمّ اختفت الصور. وعندما اتصلت الصحيفة بالمتحدّث الحكومي، قال إنّ شخصاً من فريق ترامب جونيور طلب منه حذف المنشور. وقال المتحدّث باسم ترامب جونيور إنّ فريقه الأميركي لم يكن على علم بالمنشور، ولم يطلب حذفه. وأضاف أنّ مكتب الرئيس المنغولي هو الذي طلب عقد اللقاء، وأنّ ترامب جونيور لم يوافق إلا بعد التشاور مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وبعد توضيح أنّ اللقاء غير رسمي. وأوضح أنّ الرجلين تحدّثا في معظم الوقت عن الأنشطة الخارجية، لا عن الأعمال التجارية.
وجاء في بيان صادر عن مكتب الرئيس المنغولي لصحيفة “فايننشال تايمز” أنّ “الرئيس عقد لقاءً غير رسمي، وتناول وجبة مع ابن ترامب. والعلاقات بين الطرفين جيدة إلى حدّ بعيد. ولم يناقشا السياسة أو الزيارات الرسمية”. وقبل زيارته منغوليا، توجّه ترامب جونيور إلى بولندا في محطة استمرت 12 ساعة، عقد خلالها سلسلة اجتماعات أُحيطت هي الأخرى بالسرية.
ورافق المجموعة أدريان تيس، وهو مستشار سياسي روماني سبق أن ساعد في تنظيم فعاليات شارك فيها الابنان الأكبران لترامب في هنغاريا ورومانيا وصربيا وبلغاريا. ورفض تيس التعليق على الاجتماعات التي عُقدت في وارسو. وقال المتحدّث باسم ترامب جونيور إنّه كان في أوروبا للمشاركة في فعاليات خطابية نظّمتها “سالم ميديا”، وهي مجموعة محافظة.
التوسّع في الصفقات
في أثناء ذلك، بدأ إريك، الشقيق الأصغر لترامب جونيور، الذي أصبح واجهة الإمبراطورية العقارية للعائلة، جولة عالمية خاصة به لإبرام الصفقات، بهدف إقامة شراكات مع مطوّرين أجانب في مشاريع تحمل علامة ترامب التجارية.
وفي معظم الحالات، لا تملك المجموعة المباني نفسها، وإنّما تمنح المطوّرين حقّ استخدام علامة ترامب التجارية، وتقدّم لهم الاستشارات خلال عملية البناء، مقابل رسوم الترخيص والتطوير. وخلال الولاية الثانية لدونالد ترامب، أصبحت العلامة التجارية للعائلة أكثر قيمة من أي وقت مضى. وتكشف بياناتها المالية، الواردة في الإفصاحات السنوية للرئيس بشأن الأخلاقيات، عن إمبراطورية عالمية آخذة في التوسّع، يتعاون فيها شركاء متعدّدون على بناء مشاريع تجارية وسكنية وفندقية، تدرّ على العائلة ملايين الدولارات سنوياً من كل مشروع.
كذلك، أعلنت “منظمة ترامب” إطلاق 15 مشروعاً جديداً في الخارج منذ حملة إعادة انتخاب ترامب عام 2024، وفق تحليل أجرته “فايننشال تايمز”. وتشمل هذه المشاريع بوخارست ودبي وفيتنام. كما تكشف الإفصاحات المالية التي يقدّمها ترامب بموجب قواعد الشفافية وتضارب المصالح عن خمسة مشاريع أخرى لم يُعلن عنها رسمياً بعد، أحدها في رومانيا، واثنان في الهند، واثنان في أبو ظبي. وتُظهر هذه الإفصاحات أنّ إيرادات الترخيص والتطوير والإدارة من المشاريع الأجنبية ارتفعت بنسبة 40% بين عامي 2024 و2025، لتصل إلى 63 مليون دولار.
خلال ولاية ترامب الأولى، أعلنت “منظمة ترامب” أنّها ستعلّق الصفقات الدولية. أمّا هذه المرة، فقد أصدرت الشركة العائلية توجيهات تسمح بإبرام صفقات خارجية، شرط ألا تكون مع جهات حكومية. وفي العام الماضي، سألت “فايننشال تايمز” إريك ترامب عن سبب تراجع العائلة عن تعهّدها السابق، فقال: “الأمر بسيط جداً. لم نكن مضطرين إلى فعل ذلك عام 2017، لكنّنا فعلناه، ولم نحصل على أي تقدير على الإطلاق لما فعلناه، وقد تصرّفنا على نحو صحيح في كل شيء”.
لكنّ هذه الصفقات الخاصة جعلت إريك وترامب جونيور، وهما نائبان للرئيس التنفيذي في “منظمة ترامب”، على تماس مع مسؤولين حكوميين وسياسيين خلال ممارستهما أعمال العائلة. وفي حالات كثيرة، يأمل هؤلاء المسؤولون أن تساعدهم علامة ترامب التجارية على تحسين علاقاتهم بالبيت الأبيض.
وفي جورجيا، اجتمع الشهر الماضي مئات من أفراد النخبة في البلاد للاحتفال بالإعلان عن مشروع “برج ترامب تبليسي”، الذي يُفترض أن يكون أعلى ناطحة سحاب في البلاد. وتخلّلت المناسبة رقصات تقليدية وعروض ضوئية بطائرات مسيّرة وكلمة لرئيس الوزراء إيراكلي كوباخيدزه. وأشاد إريك ترامب، الذي ظهر مباشرة عبر الفيديو، بكوباخيدزه وبالنمو المرتفع للناتج المحلي الإجمالي في جورجيا. وقال إنّ “الشعب الجورجي يحب الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تحب الشعب الجورجي”.
وتعارضت هذه التصريحات مع الموقف الرسمي الأميركي من جورجيا، في وقت تدهورت فيه العلاقات بسبب موقف الحزب الحاكم من روسيا. ويُعدّ كوباخيدزه حليفاً وثيقاً لسلفه بيدزينا إيفانيشفيلي، الملياردير الذي فرضت عليه إدارة بايدن عقوبات عام 2024، بسبب “تقويض المستقبل الديمقراطي والأوروبي الأطلسي لجورجيا لمصلحة الاتحاد الروسي”. وبعد أسبوع من مشاركته في حفل إطلاق مشروع برج ترامب، أجرى كوباخيدزه محادثات قصيرة مع الرئيس ترامب وروبيو، خلال حفل استقبال على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
كذلك، قال كوباخيدزه خلال ظهور إعلامي هذا الشهر: “لحسن الحظ، توقّفت هذه الهجمات، وأصبحت العلاقات أفضل بكثير. وما زلنا متفائلين بإعادة الشراكة الاستراتيجية إلى مسارها، لكن ما سيحدث بعد ذلك يعتمد بالكامل على الإدارة الأميركية”.
وفي بعض الأحيان، ربطت حكومات صراحةً بين مشاريع ترامب والجهود الدبلوماسية. ففي فيتنام، استغلّت الحكومة مشروع منتجع جديد لترامب في شمال البلاد. ووصفه رئيس الوزراء آنذاك، خلال وضع حجر الأساس في العام الماضي، بأنّه “مهم لتعزيز العلاقات بين فيتنام والولايات المتحدة”، وذلك بعد 7 أسابيع فقط من فرض ترامب رسومه الجمركية التي أطلق عليها “يوم التحرير”، والتي أصابت قطاعات التصدير الفيتنامية.
ومنذ ذلك الحين، أثار المشروع جدلاً محلياً، بعدما طلبت الحكومة من آلاف السكان الانتقال، وخطّطت لنقل رفات من مقبرة لإفساح المجال أمام ملعب للغولف. ونفى متحدّث باسم “منظمة ترامب” وجود أي صلة بين الشركة والسياسة الخارجية الأميركية. وقال: “تعمل الشركة بصورة مستقلة تماماً عن الرئاسة، وتلتزم بالكامل بجميع القوانين المتعلقة بالأخلاقيات وتضارب المصالح”.
وفي بعض الأماكن، فقدت علامة ترامب بريقها. فقد تخلّت مجموعة “ألتوس العقارية” عن اسم ترامب في برج تطوّره على الساحل الذهبي في أستراليا، عقب احتجاجات وعريضة جمعت 120 ألف توقيع. ويقول ديفيد يونغ، الرئيس التنفيذي للمجموعة، لصحيفة “فايننشال تايمز”: “عندما بدأت الحرب على إيران، تصاعد الضغط هنا إلى حدّ محموم”، مضيفاً أنّ عدم الدفع، وبالتالي إلغاء الصفقة، كان ضرورة مؤسفة. وتابع: “على الرغم من محاولاتي الحثيثة لشرح الأمر لإريك ومنظمة ترامب، فإنّهم لم يرغبوا حقاً في سماع ذلك”.
وردّ متحدّث باسم “منظمة ترامب” قائلاً: “إنّ محاولة السيد يونغ تحميل أحداث عالمية معيّنة مسؤولية إنهاء الاتفاق ليست سوى حيلة لصرف الانتباه عن إخفاقاته وتقصيره”. ويرى ووكر ديفيس، نائب مدير الأبحاث في منظمة “مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاقيات في واشنطن”، الذي درس إمبراطورية ترامب، أنّ الاتفاقات التي لا تحمل طابعاً سياسياً صريحاً تظلّ تنطوي على مخاطر أخلاقية بالنسبة إلى الرئيس.
ويقول ديفيس: “كيف يمكن ألا يؤثّر ذلك في ترامب، بينما تتوسع أعماله، التي لا يزال يملكها ويجني أرباحها، والتي يديرها أفراد من عائلته، في هذه البلدان؟”، وذلك في الوقت الذي يحدّد فيه ترامب السياسة الأميركية تجاهها. ويضيف: “يثير هذا الأمر، على الأقل، تساؤلات بشأن تأثير المصالح التجارية في الرئاسة، وما إذا كانت ملايين الدولارات التي تدرّها تلك الصفقات من مصادر أجنبية قد تؤثّر في القرارات الرسمية”.
المصالح العائلية
في الولايات المتحدة، بنى الشقيقان محفظة متنوّعة من شركات العملات المشفرة وصناديق الاستثمار والأدوار الاستشارية، غالباً في قطاعات تعيد قرارات والدهما في البيت الأبيض تشكيلها. وسعى ترامب جونيور إلى الاستثمار من خلال دوره شريكاً في شركة “1789 كابيتال”، التي شارك في تأسيسها المستثمرون والمتبرّعون الجمهوريون أميد مالك وكريستوفر بوسكيرك وريبيكا ميرسر. وقال صندوق الاستثمار إنّ الأصول التي يديرها ارتفعت من 200 مليون دولار إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار منذ تأسيسه عام 2023، بعد اندفاعه إلى إبرام صفقات مع عدد من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة.
وتمكّنت “1789 كابيتال” من المشاركة في جولات استثمارية لدى شركات تحظى بشعبية، وغالباً ما يتجاوز الطلب على أسهمها المعروضة حجم المتاح منها، ما يجعلها بعيدة المنال عن معظم المستثمرين. وللشقيقين أيضاً استثمارات في عدد من شركات أسواق التكهن ومشاريع العملات المشفرة، استفاد بعضها من خطوات إدارة ترامب لتخفيف القيود التنظيمية على القطاع.
كما حصل دونالد ترامب جونيور على أسهم في منصة أسواق التكهن “كالشي” بقيمة تقارب 300 ألف دولار، بعد انضمامه إليها مستشاراً استراتيجياً في مطلع عام 2025. ويعمل أيضاً مستشاراً لدى منافستها “بوليماركت”، التي تمتلك “1789 كابيتال” حصة فيها. واستفادت الشركتان من النهج الأكثر تساهلاً الذي اتبعته هيئة تداول السلع الآجلة، الجهة التنظيمية في إدارة ترامب، إذ سمحت لأسواق التكهن بتقديم رهانات رياضية ساهمت في تسارع نموها بصورة كبيرة.
وقال المتحدّث باسم ترامب جونيور: “يؤمن دون بقوة أسواق التنبؤ وما تتيحه من إمكانات”. وأضاف: “إنّه لا يتواصل مع الحكومة الفيدرالية في إطار عمله لدى أي شركة يقدّم لها المشورة أو يستثمر فيها”.
وحقّقت شركة العملات المشفرة التابعة لابني ترامب، “وورلد ليبرتي فاينانشال”، معظم إيراداتها من إصدار عملة مستقرة تُسمّى “يو أس دي 1”. وتجني الشركة فوائد من الأصول التي تحتفظ بها لتغطية قيمة العملة، التي يبلغ حجم المتداول منها 4.1 مليارات دولار. ومن بين المستثمرين فيها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقد وافق مكتب مراقب العملة هذا الصيف على طلب “وورلد ليبرتي فاينانشال” الحصول على ترخيص مصرفي في الولايات المتحدة. وكان منح التراخيص المصرفية يخضع تاريخياً لعملية تنظيمية صارمة، لكنّ مساعي إدارة ترامب لتشجيع البنوك العاملة في العملات المشفرة جعلت العملية أكثر سهولة. وقال متحدّث باسم “وورلد ليبرتي” إنّ الشقيقين، رغم كونهما شريكين مؤسسين، لا يشاركان في العمليات اليومية للشركة، وإنّها “لم تطلب معاملة خاصة ولم تحصل عليها”.
وللشقيقين أيضاً مصالح في عدد من شركات الدفاع والمعادن الحيوية، وهي قطاعات تمثّل أولويات استراتيجية للولايات المتحدة، وتعتمد غالباً على التمويل الحكومي والعقود العامة.
وفي العام الماضي، أفادت “فايننشال تايمز” بأنّ “كابيتال 1789″، التي استثمر فيها ترامب جونيور، ضخّت أموالاً في شركة “فولكان إليمنتس” الناشئة للمعادن الأرضية النادرة، قبل وقت قصير من حصولها على قرض بقيمة 620 مليون دولار من وزارة الدفاع الأميركية. كما حصلت شركة الطائرات المسيّرة “أنيوجوال ماشينز”، المدعومة من ترامب جونيور، على عقد عسكري.
وفي هذا العام، أبرمت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية الناشئة “رفليكشن إيه آي”، التي تضمّها محفظة “1789 كابيتال”، اتفاقاً لنشر تقنياتها داخل شبكات البنتاغون المصنّفة سرية. وقال متحدّث باسم “1789 كابيتال” إنّ دون جونيور “لا يشغل موقعاً في لجنة الاستثمار لدى الشركة، ولذلك فهو لا يقرّر من يحصل على الأموال التي تستثمرها الشركة”، مشيراً إلى أنّ شركات الدفاع ضمن محفظتها حصلت على عقود في عهد إدارتي ترامب وبايدن. وأضاف: “تستحوذ الشركة على حصص أقلية في الشركات، وهذا لا علاقة له بالعقود الحكومية”.
ويستثمر الشقيقان أيضاً في شركة “أميريكان فنتشرز”، وهي مجموعة من كيانات استثمارية ذات أغراض خاصة، تدير نحو مليار دولار للاستثمار في “الشركات الأميركية الرائدة في التقنيات الجديدة”. ويمتلك الشقيقان معاً نحو 12 في المئة من شركة “دوميناري هولدينغز”، التي تدير “أميريكان فنتشرز”، ويقع مقرّها في برج ترامب. ومن خلال “أميريكان فنتشرز”، يمتلك الشقيقان حصة في شركة إنشاءات يُتوقّع أن تندمج مع شركة لتطوير مشاريع التعدين، سبق أن حصلت على إمكانية الوصول إلى معادن حيوية في كازاخستان بدعم مباشر من إدارة ترامب.
وقال المتحدثان باسم الشقيقين إنّ إريك وترامب جونيور مستثمران غير نشطين، ولا يشاركان في العمليات اليومية أو أنشطة “أميريكان فنتشرز”. وقال أنتوني هايز، الرئيس التنفيذي لشركة “دوميناري هولدينغز”، إنّ حصتيهما في الكيانات الاستثمارية “صغيرتان نسبياً”.
وتتخذ مشاريع أخرى لترامب جونيور أشكالاً مختلفة، منها مجلة للصيد وبرنامج صوتي ونادٍ خاص للأعضاء في واشنطن العاصمة، يُسمّى “إكزكيوتيف برانش”. ووفق نسخة من النظام الداخلي للنادي لعام 2025، اطّلعت عليها “فايننشال تايمز”، قد تصل رسوم العضوية السنوية إلى 15 ألف دولار، إضافةً إلى رسوم انضمام يُقال إنّها تبلغ مئات آلاف الدولارات.
ويرى بينتر أنّ هذه المشاريع قد تبدو استغلالاً للرئاسة لتحقيق مكاسب شخصية. ويقول: “حين تسمّي شركتك ‘1789 كابيتال’، تيمّناً بتأسيس الدستور، أو تنشئ نادياً اجتماعياً باسم ‘إكزكيوتيف برانش’ لبيع العضويات، فالأمر ليس خفياً”.
وقبل مغادرته أولان باتور في الشهر الماضي، تناول ترامب جونيور الإفطار مع أونينبورن أولزيبورن، وهو رجل أعمال منغولي لديه سلسلة من المشاريع في مجال العملات المشفرة.
ومثل ترامب جونيور، ينتمي أولزيبورن إلى عائلة سياسية. فوالدته وزيرة سابقة للبيئة وعضو في البرلمان عن الحزب الديمقراطي المعارض في منغوليا. وتُظهر صور نُشرت على إنستغرام ما يبدو أنّه نسخة مطبوعة من عرض تقديمي استثماري على الطاولة، لكنّ أياً من الحاضرين في الاجتماع لم يعلّق على الموضوع. في المقابل، قال المتحدث باسم ترامب جونيور إنّه لا يخطّط لإطلاق أي مشروع تجاري في منغوليا.
ولا تزال رحلات ترامب جونيور تترك أسئلة كثيرة بلا إجابات، من بينها هوية الأشخاص الذين التقاهم على وجه التحديد، وما ناقشوه، وما إذا كانت ستنبثق عن تلك اللقاءات أي مشاريع تجارية. وفي حين تقدّم إفصاحات الرئيس ترامب المتعلقة بالأخلاقيات بعض المعلومات عن دور إريك في الإمبراطورية العقارية، فإنّ جانباً كبيراً من تعاملاتهما ما يزال غامضاً.
ويقول ديفيس، من منظمة “كرو”، إنّ المعلومات المتاحة علناً تثير بالفعل مخاوف بشأن تضارب المصالح في اتخاذ القرارات الرئاسية، فضلاً عن كل ما لا نعرفه. ويضيف: “لا ينبغي أن نضطر إلى التساؤل عمّا إذا كانت تلك القرارات تصبّ في مصلحة الأميركيين، أم في مصلحة الأرباح التي يحقّقها ترامب”.




