رأي

سانشيز المكيافيلي: تحويل المحن إلى فرص

جعفر العلوني – العربي الجديد:

منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة الإسبانية، لم يفعل بيدرو سانشيز شيئاً إلا المقاومة: حالات طوارئ غير مسبوقة، تغيرات مناخية، ظروف دولية بالغة الصعوبة، توترات تجارية، إباداتٌ جماعية، عودة الحروب إلى أوروبا والشرق الأوسط، مواجهة نخب اقتصادية واجتماعية شديدة القوة، تحولات اجتماعية، وأخرى تكنولوجية شديدة الاضطراب بفعل الذكاء الاصطناعي، وموجة يمينية متطرفة تدعو إلى التطرف، والتمييز، وعدم المساواة، إضافة إلى تحديات عديدة أخرى. مع هذا صمد الرجل. ورغم ضغوط المعارضة عليه في ملفات الفساد، وسبتة، وزوجته، وأخيه، وغيرها من الأمور، لم يستسلم. ظل يقاوم. ووعد أنه سوف ينهي ولايته عام 2027، كما هو مقرّر.

في كتابه “دليل المقاومة”، يصف سانشيز لحظة وصوله إلى منزله بعدما أُطيح من منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي الإسباني. كان ذلك مساء الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2016. يروي كيف دخل إلى البيت ووجد زوجته بيغونيا تبكي. كانت تلك اللحظة بالنسبة له، كما يصف، لحظة وعي وتأسيس. لقد شعر حينها بوعيه وقدرته على المقاومة، وإلى أي حدٍ يمكن أن تصل تلك القدرة.

هذا الوعي، وهذه القدرة على المقاومة، هما اللذان دفعاه إلى نقض عهده بإتمام ولايته التشريعية حتى 2027، ليعلن صباح الاثنين الفائت عن انتخابات مبكرة في 29 الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، محوّلاً بذلك الهزيمة التي مُني بها في البرلمان الإسباني؛ بعد أن أسقطت أحزاب اليمين الشعبي، وفوكس اليميني المتطرف، وجونتس الكتلاني، مرسومين أقرتهما حكومته التقدّمية لمواجهة أزمة السكن، وبعد أن فقد الأغلبية العظمى في البرلمان، وصارت حكومته عملياً غير قادرة على تمرير مراسيم، وعاجزة عن تأمين أغلبية مستقرة داخل البرلمان، إلى مقامرة يجيدها جيداً: المخاطرة بكل شيء حين يظن الخصوم السياسيون أنك محاصر وأنك في محنة وأنك على وشك الانهيار.

في كتابه “الأمير”، يقول ميكافيلي إن النجاح يعتمد على توافق نهج السياسي مع العصر، وأن فضيلته الكبرى تكمن في تحويل المحن إلى فرص. وهنا تحديداً واحدة من سمات سانشيز الميكافيلي. إنها غريزته الواعية والمقاومة التي تدفعه إلى استشراف اللحظة المؤاتية قبل أي شخص آخر، وعدم الخوف من المخاطرة. ويتابع ميكافيلي أن براعة اقتناص الفرص لا تكفي إن لم تكن في خدمة قضية، محذراً أميره من التحرّك القادر على إحداث تأثيرات عظيمة تتلاشى في نهاية المطاف، إن لم تكن هناك قضية جوهرية.

لم يُسقط سانشيز أي من التحديات التي واجهها خلال سنواته الثماني. لقد أسقطت حكومته امرأة عجوز تدعى ماري كارمن، وخلفها ملايين الأشخاص الذين احتشدوا في الشوارع واعتصموا في الساحات مطالبين بإنهاء أزمة السكن. قضية السكن هي التي ضحّى سانشيز بحكومته وبنفسه من أجلها. وقد تكون حياته السياسية اليوم قائمة على هذه المناورة السياسية الجديدة التي أقحم نفسه فيها: تحويل السخط الشعبي الناجم عن أزمة السكن إلى سلاح في حملته الانتخابية. وأزمة السكن في إسبانيا حقيقية، وهي تضغط بشكل خانق على الإسبان، وقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى أكثر القضايا الاجتماعية حساسية. فإذا كان البرلمان نفسه عاجزاً عن تمرير سياسات السكن، فليكن السكن نفسه قضية الانتخابات، وليكن الصراع حول من يقف مع حق الإسباني في الوصول إلى سكن مناسب ومن يقف ضده. … ليست هذه المناورة الميكافيلية وليدة المصادفة. إنها أسلوب سانشيز المعتاد في ممارسة السياسة: توافق مع روح العصر وتحويل المحنة إلى فرصة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى