رأي

 قراصنة وسفن حربية يتربصون بفنزويلا ومنطقة الكاريبي الكبرى

كتب إيرين ليون, في الميادين إسبانيول:

تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق سيطرة جيوسياسية على منطقة تحوّلت إلى مركز لرؤوس الأموال العالمية وعملياتها المضارِبة، فضلاً عن كونها مصدراً مهماً للموارد الطبيعية ومساحة تُستغل في سياقات مرتبطة بالحرب.

التوغّل العسكري الأميركي في منطقة الكاريبي الكبرى يهدف في جوهره إلى تحقيق سيطرة جيوسياسية على منطقة ذات أهمية استراتيجية، إذ أصبحت نقطة محورية لرؤوس الأموال العالمية، ومركزاً للتداولات المضاربة، ومصدراً غنياً بالموارد الطبيعية، بل وحتى ساحة مرتبطة بتجارة الحرب.

وفي هذا الإطار، أقدمت الحكومة الأميركية على نشر ترسانة عسكرية ضخمة في المنطقة، تضمنت غواصة نووية هجومية سريعة، ومدمّرات وطرّادات صواريخ موجّهة، وحاملات مروحيات برمائية، ومعدات تجسّس متقدمة، مدعومةً بأكثر من أربعة آلاف جندي.

الذريعة المعلنة لهذه الحملة هي “مكافحة تهريب المخدرات”. ومع ذلك، تشير تقارير دولية إلى ضعف وجود هذه التجارة في المنطقة المستهدفة، بل تؤكّد أن فنزويلا، الهدف الرئيسي لهذه العمليات، ليست ضمن الدول المنتجة للمخدرات ولا من المتأثرة بشكل كبير بالتهريب الآتي من جيرانها.

وعلى الرغم من هذه الحقائق، لم تتجه الخطط الأميركية إلى تصحيح مسارها أو توجيه قواتها نحو حماية مصالحها المحلية أو التجارية، بل زادت من وجودها العسكري في المنطقة. كما جرى تشكيل تحالف يُشار إلى أن الرئيس نيكولاس مادورو قد يترأسه، ليكون ذريعة لإعلان تهديد للأمن القومي الأميركي وتبرير هذا الوجود العسكري.

الدوافع الحقيقية تكشف نطاقاً أوسع من استهداف فنزويلا وحدها. فقد شهدت منطقة الكاريبي الكبرى انخراط دول أخرى مثل غيانا وترينيداد وتوباغو، مع نيات مشابهة لتوسيع دائرة التحركات العسكرية الأميركية. من جهتها، أكدت كولومبيا استعدادها للتعاون مع فنزويلا في الدفاع عن السلام، بينما أعلنت كوبا تمسّكها بالدفاع عن السيادة وحق تقرير المصير عبر تحالف “ألبا”، الذي يضم دولاً من أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

هذا التوتر الجيوسياسي يتجاوز الحدود التقليدية ليشمل نحو ثلث أميركا اللاتينية والكاريبي. إذ يتأثر به 22 بلداً تمتد من أميركا الجنوبية والوسطى إلى منطقة الكاريبي والجزر المجاورة. وحتى المكسيك، تدخل بشكل غير مباشر، لكونها ترتبط بحدود برية وبحرية مع هذه المنطقة. ويتعدى الأمر ذلك ليشمل 15 دولة لا تزال تحت مظلة الاستعمار مثل بورتوريكو وغويانا الفرنسية ومارتينيك.

إضافةً إلى ذلك، أشارت حكومات دول مثل باراغواي والأرجنتين والإكوادور إلى دعمها لتحركات الولايات المتحدة. كما قامت فرنسا، الدولة الاستعمارية السابقة، بنشر قوات بحرية في المنطقة، ما يمهّد الطريق لمشاركة أخرى محتملة لدول استعمارية سابقة مثل بريطانيا العظمى وهولندا.

يمثّل الوجود العسكري الأميركي المتزايد جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد، إذ أعاد الأسطول الرابع الأميركي نشاطه في المنطقة منذ عام 2008، مستهدفاً بشكل ممنهج دولاً مثل فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا عبر إجراءات ترتبط بالحرب الاقتصادية والنفسية والمعرفية. ويُعدّ هذا الضغط المستمر جوهر المخطط الذي يخدم الهيمنة الأميركية ويزيد من مستوى التوتر في المنطقة، خصوصاً تجاه الدول التي تُصنَّف بأنها تهديد لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.

وعبر احتلال الأراضي الكوبية، تواصل الولايات المتحدة الاحتفاظ بقاعدة غوانتنامو البحرية بشكل غير قانوني، وهي أكبر قاعدة عسكرية في منطقة الكاريبي. كما تنتشر منشآت وقواعد عسكرية أميركية في كوراساو وأروبا وجزر البهاما وأنتيغوا وبربودا وبورتوريكو وجمهورية الدومينيكان. وعلى البرّ الرئيسي، يمتد الوجود العسكري الأميركي إلى كوستاريكا وهندوراس وبنما وكولومبيا، في حين شهدت غيانا مؤخراً “تحديثات” على قواتها الدفاعية. وتعمل غيانا، بالتنسيق مع الشركة متعددة الجنسيات “إكسون موبيل”، على تعزيز التوتر مع فنزويلا في منطقة غنية بالنفط والمياه والمعادن والموارد المستخدمة في إنتاج الهيدروجين النظيف.

وتملك الشركات المرتبطة بالمجمّع الصناعي العسكري الرقمي والإدارة التنفيذية الأميركية مصالح واسعة في منطقة الكاريبي. وفي إطار الخصخصة الشاملة لقطاعي الدفاع والأمن وتوحيد الأسواق، دخلت شركات مثل “أكاديمي” و”فيكتوس غلوبال” المملوكة لإريك برينس إلى ساحة الصراعات، مستهدفةً إطاحة نظام مادورو، إلى جانب السعي لتحقيق “مصالحة” في هايتي.

وقد وقّعت الحكومة الهايتية اتفاقية لمدة عشر سنوات مع إريك برينس لإعادة الاستقرار إلى البلاد التي تعاني من فوضى أسهم صنّاع الحلول أنفسهم في تأجيجها. وتشمل هذه الاتفاقية إصلاح النظامين الضريبي والجمركي، خصوصاً في المناطق الحدودية المشتركة مع جمهورية الدومينيكان.

وعلى الرغم من أنّ الاتفاقية مع هايتي لا تشير صراحة إلى استغلال المعادن والعناصر النادرة، فإن الوضع يشبه إلى حد كبير التجربة التي شهدتها جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد تعاقدت تلك الدولة مع شركة برينس بهدف “حماية” الموارد المعدنية وتعزيز تحصيل الضرائب، إضافةً إلى تحسين إدارة الحدود، وسط تصاعد الانتهاكات لحقوق الإنسان.

وتتطلع الولايات المتحدة وشركاتها إلى جني ثروات هائلة تشمل أراضي وبحاراً غنية بالتنوع البيولوجي، وأنظمة بيئية فريدة، وموارد مثل المياه والهيدروكربونات والعناصر النادرة ومواقع إنتاج الهيدروجين والمعادن والزراعة والحيوانات والنباتات وغيرها. ولتحقيق هذه الأهداف، تُستخدم وسائل سياسية متعددة، من بينها إثارة الانقسامات داخل تكتلات إقليمية مثل مجموعة الكاريبي (CARICOM) أو تحالف “ألبا”، إلى جانب اعتماد النهج العسكري كأداة ضغط في مواجهة التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى