دروس حرب الأربعين يومًا

أحمد ناجي قمحة – الأهرامات:
تقدم هذه الحرب نموذجًا مكثفًا لاختبار موازين القوة في الشرق الأوسط، ليس فقط على مستوى الاشتباك العسكري المباشر، بل على مستوى إعادة تعريف مفاهيم الردع، وحدود النفوذ، وطبيعة التحالفات. ما بعد الحرب لا يشبه ما قبلها، ليس لأن النتائج كانت مفاجئة، بل لأن دلالاتها أعمق من مجرد انتصار أو هزيمة. إنها لحظة كاشفة لبنية النظام الإقليمي، ولطبيعة العلاقة بين الأطراف الفاعلة فيه.
أول ما تكشفه هذه الحرب هو أن الأهداف المعلنة لا تعني بالضرورة تحقيق النتائج المرجوة. الفاعل الدولي قد يمتلك أدوات القوة، لكنه لا يضمن بالضرورة ترجمة هذه الأدوات إلى نتائج سياسية مستدامة. الفجوة بين الهدف والنتيجة تظل عنصرًا حاسمًا في تقييم أي عملية عسكرية. هذا ما يجعل الحديث عن “سلة الأهداف” مهمًا، لأنه يكشف حدود القدرة وليس فقط حجمها. ما جرى يؤكد أن إدارة الصراع أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأن التفوق العسكري لم يعد كافيًا لتحقيق الهيمنة السياسية الكاملة.
في المقابل، برزت إيران كفاعل إقليمي قادر على فرض معادلاته. قبول شروط معينة لا يعني بالضرورة التراجع، بل قد يعكس قدرة على المناورة وإعادة التموضع ضمن شروط أكثر ملاءمة على المدى المتوسط. هذا النوع من السلوك يعكس تحولًا في طبيعة الصراع من المواجهة المباشرة إلى إدارة توازنات دقيقة، حيث تصبح القدرة على الاستمرار والتكيف عنصرًا أكثر أهمية من تحقيق انتصار سريع. إيران، في هذا السياق، لم تخرج من الحرب كما دخلتها، بل خرجت بموقع تفاوضي مختلف، يُحسب له حساب أكبر في أي معادلة مستقبلية.
هذا يقود إلى نقطة أكثر عمقًا تتعلق بإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط. لم يعد بالإمكان الاعتماد على النماذج التقليدية التي سادت لعقود، سواء كانت قائمة على التحالفات الثنائية أو الاعتماد المطلق على قوة خارجية. ما بعد هذه الحرب سيشهد مراجعة جذرية لهذه الترتيبات، لأن التجربة أثبتت أن التهديدات لا تُدار بالوكالة فقط، وأن الردع يحتاج إلى أدوات ذاتية أكثر فاعلية. هذه المراجعة ليست خيارًا، بل ضرورة فرضتها الوقائع.
في هذا السياق، تتجلى حقيقة استراتيجية مهمة: الغطاء الأمني الخارجي ليس ضمانة مطلقة. هو مشروط، ويتحرك وفق حسابات المصالح الخاصة بالقوة الداعمة. هذا يفرض على الدول الإقليمية إعادة التفكير في استراتيجياتها الأمنية، وعدم الارتهان الكامل لأي طرف خارجي. الاعتماد الزائد على الحماية الخارجية يؤدي إلى اختلال في ميزان القرار السيادي، ويجعل الدول عرضة لابتزاز استراتيجي في لحظات التحول.
بالانتقال إلى المستوى العربي، تفرض هذه الحرب سؤالًا جوهريًا حول مستقبل العمل العربي المشترك. إذا أرادت الدول العربية أن تمتلك وزنًا حقيقيًا في النظام الدولي، فعليها أن تعيد بناء آليات التعاون الأمني والسياسي بشكل أكثر تكاملًا. جامعة الدول العربية، رغم أهميتها التاريخية، تحتاج إلى إعادة هيكلة حقيقية تجعلها قادرة على مواكبة التحولات، لا مجرد منصة للتنسيق الرمزي. التكامل لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في بيئة دولية تتسم بالتنافس الحاد.
جزء من هذه الإشكالية يرتبط بغياب تعريفات موحدة للتهديدات. تحديد من هو العدو ومن هو الصديق ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو أساس لأي استراتيجية أمن قومي فعالة. غياب هذا التحديد يؤدي إلى تباين في السياسات، ويضعف القدرة على بناء موقف عربي موحد. التوافق على المصالح المشتركة يتطلب إطارًا مفاهيميًا واضحًا، يحدد أولويات الدول العربية في ضوء التحديات الراهنة، لا وفق حسابات فردية قصيرة المدى.
ومن زاوية أخرى، تبرز الطاقة كسلاح استراتيجي بالغ التأثير. ما حدث يؤكد أن الموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي فعالة، إذا تم توظيفها ضمن رؤية استراتيجية واضحة. التجارب السابقة، مثل استخدام سلاح النفط في سبعينيات القرن الماضي، تعود اليوم في صورة أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع الاقتصاد العالمي. امتلاك هذا السلاح لا يكفي، بل يجب امتلاك القدرة على استخدامه في التوقيت المناسب وبالطريقة التي تحقق أقصى تأثير ممكن دون إحداث أضرار جانبية مفرطة.
هذه المعادلة تعيدنا إلى مفهوم القوة الذكية، حيث لا تكون القوة العسكرية وحدها هي المحدد، بل تتكامل مع أدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية. القدرة على التأثير في مسارات الصراع تتطلب فهمًا عميقًا لبنية الخصم، وطبيعة تفكيره، ونقاط ضعفه. من يمتلك هذا الفهم يستطيع أن يوجه سلوك خصمه دون الحاجة إلى صدام مباشر. هذا النوع من التفكير الاستراتيجي هو ما يصنع الفارق بين رد الفعل العشوائي والفعل المدروس.
وفي السياق نفسه، تبرز أهمية الثوابت والمبادئ كعنصر من عناصر القوة. التمسك بالمعايير الأخلاقية والإنسانية ليس ضعفًا، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تم توظيفه بشكل ذكي. في عالم تحكمه الحسابات الدقيقة، يمكن للقيم أن تصبح أداة تأثير إذا اقترنت برؤية استراتيجية واضحة. القدرة على الحفاظ على المبادئ، مع فهم عميق لموازين القوى، تمنح الفاعل قدرة على المناورة دون فقدان شرعيته.
أما على مستوى الصراع مع الاحتلال، فإن الحرب تكشف هشاشة البنية الأمنية للاحتلال أمام الاختراقات المتزايدة. هذا لا يعني انهيارًا وشيكًا، لكنه يشير إلى أن معادلة الردع لم تعد كما كانت. كل نظام أمني، مهما بلغت قوته، له نقاط ضعف، ومع تطور أدوات المواجهة، تصبح هذه النقاط أكثر وضوحًا. ما يُبنى على دعم خارجي غير مستدام، يصبح عرضة للتآكل مع تغير أولويات هذا الدعم.
لكن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس فقط الصراع العسكري، بل الصراع على الوعي. بناء وعي عربي جامع يمثل التحدي الأكبر في المرحلة القادمة. الإعلام التقليدي لم يعد وحده قادرًا على تشكيل الرأي العام، في ظل التحول الكبير نحو الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول خلق مساحات واسعة للتأثير، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام الاستقطاب والتشظي.
هنا تبرز الحاجة إلى عمل مؤسسي منظم، تشارك فيه مؤسسات الإعلام والنقابات المهنية، بهدف بناء خطاب عربي مشترك، يواجه التحديات بوعي، ويستفيد من الفرص دون الوقوع في فخ التضليل. المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقول. ومن ينجح في تشكيل الوعي، ينجح في تحديد مسار المستقبل.
في النهاية، هذه الحرب ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة أوسع من التحولات التي تعيد تشكيل النظام الإقليمي والدولي. الدرس الأهم هو أن القوة لم تعد مفهومًا أحادي البعد، وأن البقاء في دائرة التأثير يتطلب إعادة تعريف الأدوات، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء منظومة متكاملة قادرة على التكيف مع عالم يتغير بسرعة. من لا يدرك هذه الحقيقة، سيتحول من فاعل إلى متأثر، ومن صانع للحدث إلى مجرد متلقٍ له.




