أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هدنة ملتبسة

في الوقت الذي أُعلن فيه عن وقفٍ لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، تبيّن سريعًا أن ما حصل لا يرقى إلى اتفاقٍ متكامل، بقدر ما هو هدنةٌ هشة تفتقر إلى الأسس الواضحة والضمانات الصلبة. فغياب البنود التفصيلية، وخصوصًا تلك المرتبطة بآليات التنفيذ والرقابة، يجعل من هذا “الوقف” إطارًا ضبابيًا مفتوحًا على احتمالاتٍ شتى، أبرزها العودة السريعة إلى التصعيد أو تثبيت وقائع ميدانية جديدة بقوة الأمر الواقع.

إن أولى الثغرات الجوهرية في هذا المشهد تتمثل في مصير النازحين، حيث إن هناك عشرات الآلاف الذين اضطروا إلى مغادرة قراهم وبلداتهم لا يملكون حتى الآن أي تصورٍ واضح حول موعد العودة أو شروطها. فهل العودة مشروطة بضماناتٍ أمنية؟ ومن الجهة التي ستؤمّن هذه الضمانات؟ وهل البنية التحتية المدمّرة تسمح أصلًا بعودةٍ سريعة؟ هذه الأسئلة تبقى من دون إجابات، ما يجعل النزوح مرشحًا للتحول من حالةٍ طارئة إلى واقعٍ طويل الأمد، مع ما يحمله ذلك من تداعياتٍ اجتماعية واقتصادية قاسية.

أما على المستوى الميداني، فإن الإشكالية الأكثر حساسية تتعلق بوجود القوات الإسرائيلية في المناطق التي تقدمت إليها خلال العدوان الأخير، فغياب نصٍ واضحٍ وصريحٍ يُلزمها بالانسحاب يفتح الباب أمام تثبيت نوعٍ من “الاحتلال المؤقت” الذي قد يطول، خصوصًا إذا تم ربط الانسحاب بشروطٍ أمنية أو سياسية معقدة. وفي هذه الحالة، يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد أداة لإعادة ترتيب الانتشار العسكري، لا إلى خطوةٍ حقيقية نحو التهدئة المستدامة.

هذا الواقع يضع لبنان أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، ضرورة تأمين عودةٍ آمنة وكريمة للنازحين، ومن جهةٍ أخرى، تثبيت سيادته على أراضيه ومنع تكريس أي وجودٍ عسكري إسرائيلي. غير أن هذا التحدي يصطدم بضعف الإمكانات الداخلية والانقسامات السياسية، ما يضعف القدرة على فرض شروطٍ واضحة في أي مسارٍ تفاوضي.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل مستفيدةً من هذا الغموض، إذ يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة، سواء عبر الإبقاء على قواتها في مواقع استراتيجية أو عبر استخدام ملف الانسحاب كورقة ضغط في أي مفاوضاتٍ لاحقة. وهنا تكمن خطورة الهدنة غير المكتملة، فهي لا توقف النزاع بقدر ما تعيد تشكيله في صيغةٍ أكثر تعقيدًا.

لا شك أنه لا يمكن لوقف إطلاق النار أن يكون فاعلًا ما لم يستند إلى اتفاقٍ واضح المعالم، يتضمن جدولًا زمنيًا للانسحاب، وآليات رقابةٍ دولية، وخطةً متكاملة لعودة النازحين وإعادة الإعمار. من دون ذلك، ستبقى الهدنة مجرد استراحةٍ قصيرة في حربٍ مفتوحة، فيما يظل الشعب اللبناني الحلقة الأضعف في معادلةٍ لم تُحسم بعد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى