أبرزرأي

إسرائيل أمام خسارة استراتيجية: إيران باقية… ومحورها أيضاً

حسين إبراهيم – الأخبار:

في ظلّ انسداد أفق الحرب، تتبدّى تحوّلات عميقة في موازين القوى، تضع إسرائيل أمام خسارة استراتيجية متصاعدة، وتدفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها بحثاً عن مخرج أقلّ كلفة.

تقف إسرائيل على عتبة خسارة استراتيجية في الحرب على إيران، قد لا يكون مبالغاً فيه القول إن محاولتها تجنّبها أو التخفيف منها، هي أحد الأسباب الرئيسة غير المعلنة لتأخير التوصّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حتى الآن. ملامح تلك الخسارة بدأت في الظهور مع تغيّر النظرة الأميركية إلى طريقة دفع إيران نحو التفاوض والتوصّل إلى اتفاق معها، في ظلّ تراجع الحماسة الأميركية للعودة إلى الحرب بشكلها السابق، فضلاً عن الانتقال إلى درجة أشرس فيها، باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية. دلّل على ما تَقدّم، صمود الهدنة رغم عدم التوصّل إلى صفقة، والتحوّل إلى أشكال أخرى من الصراع، كذلك الذي نشهده حالياً في الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، والذي يُحتمل تطوّره إلى مزيد من التأزّم في حال ردّت إيران، بإغلاق مضيق باب المندب، وتصفير التجارة، النفطية خصوصاً، عبر الممرّات البحرية في كامل منطقة الخليج وبعض محيطها.
وعبّرت عن التوجّه الأميركي المشار إليه، وزارةُ الخزانة التي أعلنت إطلاق «الغضب الاقتصادي» على إيران. ذلك أن تنفيذ ترامب تهديده بضرب منشآت الطاقة، من شأنه أن يزيد تصلّب الموقف الإيراني، الرسمي والشعبي، ويحمل طهران على الردّ بما يلحق مزيداً من الضرر بمصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة. فإيران تعاملت مع الحرب منذ البداية باعتبارها وجودية؛ وبالتالي، فإن أيّ خسائر تتسبّب بها، تبقى أقل من السقوط.

ومن هنا، فإن أيّ اتفاق على إنهاء الحرب سيعيد بالضرورة، تعريف دور إيران في المنطقة، بعد خروجها من حرب ضروس أثبتت استحالة إسقاط نظامها من الخارج، بل أدت إلى تعزيز قوته وتجديد شرعيته الشعبية وتأهيله لدور إقليمي أوسع. وذلك هو الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في اتّخاذ قرار الحرب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في دفعه إليه، وفقاً لتقديرات تَبيّن أنها غير صحيحة، إلى درجة أن النتيجة فاجأت حتى الإيرانيين أنفسهم. ولكن مشكلة نتنياهو لا تقف عند هذا الحدّ؛ فالحرب هذه لم تؤدّ فقط إلى تعزيز قوة إيران، وإنما أعادت تظهير قوة حلفائها بشكل لم تكن تل أبيب تتوقّعه، ما يعني أنه ليس فقط إيران باقية وقوية، وإنما المحور بكامله.

أيّ اتفاق سيعيد بالضرورة تعريف دور إيران في المنطقة بعد خروجها من حرب ضروس أثبتت استحالة إسقاط نظامها من الخارج

هكذا، تبدو الأبواب كلّها موصَدة أمام ترامب، إلا باب التوصل إلى اتفاق يعكس بشكل حقيقي نتيجة الحرب. ولذلك، تواصل واشنطن الدفع في اتّجاهه، مع محاولة تقليل الخسائر ما أمكن، عبر إبقاء الضغط على طهران، رغم أنها تبدو غير مقتنعة بجدوى حصار الموانئ. أمّا الخاسر بتحديد أكبر، فهم المسيحيون الصهاينة، أي حلفاء نتنياهو في الولايات المتحدة الذين كانوا وراء قرار الحرب التي سعوا إلى تحويلها إلى حرب دينية، لكنهم فشلوا في تقديمها إلى الرأي العام الأميركي، بما في ذلك اليميني منه، بوصفها مسيحية – إسلامية، وهذا ما أسهم في جعلها حرباً غير قابلة للكسب. وهذه أيضاً ستُترجم تراجعاً لإسرائيل، إذا ما تمكّن ترامب وفريقه من الإفلات من ضغوط المسيحيين الصهاينة والخروج من الحرب، أي إخراج واشنطن منها بأقلّ الخسائر الممكنة، ووقف النزيف لدى حلفاء الأخيرة في المنطقة.
أمّا في إسرائيل نفسها، فلا فرق بين يمين ويسار؛ إذ سوف تقع الخسارة على «الدولة» ككلّ، التي تقف بشكل كبير خلف نتنياهو في الحرب على إيران والجبهات الأخرى، باعتبارها حرباً مصيرية، لتفقد تل أبيب بذلك كلّ ما ظنّت أنها كسبته منذ بداية العدوان على قطاع غزة عقب هجمات 7 أكتوبر. إذ ضيّعت إسرائيل، بنتيجة الحرب، جزءاً كبيراً من الدعم الذي كانت تتمتّع به في الولايات المتحدة، لتوريطها الأخيرة في حرب غير ضرورية تنعكس مباشرة على دافع الضرائب الأميركية، مرّة عبر الدعم العسكري لإسرائيل، وخوض الحرب نيابة عنها، ومرّة أخرى عبر زيادة تكلفة المحروقات، والمعيشة عموماً، بشكل كبير، بما يؤثّر مباشرة على جيب المواطن الأميركي.
ورغم مكابرة ترامب، فهو يقف أمام خيار صعب بين انتشال أميركا ومصالحها من حرب خاسرة، إنقاذاً لما يمكن إنقاذه قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، وبين الاستمرار في دعم حرب إسرائيل الأبدية التي لا يستطيع نتنياهو وقفها. ذلك أن إنهاء هذه الحرب سيعني سقوط نتنياهو، وانهيار مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لا يفتأ يكرّر الحديث عنه، رغم أن الواقع يعاكسه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى