رأي

تحالف على خاصرة مصر: من سد النهضة إلى باب المندب

إلهامي المليجي – الميادين:

حين يضطرب باب المندب، لا تبقى قناة السويس بعيدة. وحين تشتعل الممرات الجنوبية للبحر الأحمر، لا يتأثر اليمن أو الصومال وحدهما، بل تتأثر مصر في اقتصادها ومكانتها ودورها الدولي.

ليست الأخطار الكبرى دائمًا جيوشًا تتحرك على الحدود، ولا صواريخ تُطلق في وضح النهار. أحيانًا تأتي في هيئة ميناء، أو مذكرة تفاهم، أو اعتراف دبلوماسي، أو قاعدة بحرية صامتة، أو تحالف ناشئ يتقدم على مهل، حتى يكتمل طوقه قبل أن ينتبه إليه الغافلون.

هكذا يجب أن تُقرأ التحولات المتسارعة في القرن الأفريقي. فإثيوبيا التي وضعت مصر أمام معادلة مائية شديدة القسوة عبر سد النهضة، لا تكتفي اليوم بمحاولة فرض أمر واقع على النيل، بل تسعى إلى كسر عزلتها الجغرافية والوصول إلى البحر. و«أرض الصومال»، التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 1991، تبحث عن اعتراف دولي يخرجها من العزلة. أما الكيان الصهيوني، الذي يعرف قيمة الممرات والمضائق أكثر مما يعرفها كثيرون في الإقليم، فيجد في هذا التشقق الجغرافي فرصة للتموضع عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في أمن البحر الأحمر وباب المندب.

هنا لا نكون أمام واقعة منفردة، بل أمام تحالف استراتيجي ناشئ: إثيوبيا تريد البحر، و«أرض الصومال» تريد الاعتراف، و«إسرائيل» تريد موطئ قدم عند خاصرة البحر الأحمر. وما يبدو للوهلة الأولى شأنًا صوماليًا ـ إثيوبيًا محدودًا، يتحول في عمقه إلى سؤال مصري مباشر: ماذا يعني أن تلتقي دولة تنازع مصر في مياه النيل، مع كيان انفصالي يطل على خليج عدن، ومع قوة احتلال تسعى إلى توسيع حضورها في الممرات البحرية القريبة من قناة السويس؟

إثيوبيا: من ورقة النيل إلى ورقة البحر
منذ فقدت إثيوبيا منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، ظل الوصول إلى البحر أحد الهواجس الدائمة في عقلها الاستراتيجي. لكنها، في السنوات الأخيرة، لم تعد تتعامل مع هذا الهدف كحاجة تجارية فحسب، بل كشرط من شروط التحول إلى قوة إقليمية مكتملة الأدوات.

في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع «أرض الصومال» تتيح لها استخدام ميناء بربرة والوصول إلى البحر عبر خليج عدن/البحر الأحمر، في خطوة رفضتها مقديشو باعتبارها مساسًا بسيادة الصومال وسلامة أراضيه. وذكرت تقارير دولية أن الاتفاق تضمن تأجير شريط ساحلي يقارب 20 كيلومترًا لإثيوبيا، مع احتمال إقامة ترتيبات بحرية أو قاعدة بحرية، مقابل مكاسب سياسية لـ«أرض الصومال» بينها فتح مسار الاعتراف بها كدولة مستقلة.

هذه ليست تفصيلة فنية. فالدولة التي تضغط على مصر في مياه النيل، إذا أصبحت لاعبًا بحريًا عند خاصرة باب المندب، فإنها لا توسع تجارتها فقط، بل توسع مجال تأثيرها وضغطها. عندها لا تعود القاهرة أمام أزمة مائية منفصلة، بل أمام مشروع إثيوبي مركب: نهرًا وبحرًا وميناءً وحضورًا في واحد من أخطر الممرات المتصلة بقناة السويس.

والأدق أن إثيوبيا لا تتحرك في فراغ. فهي تستثمر هشاشة الصومال، وحاجة «أرض الصومال» للاعتراف، وتزاحم القوى الدولية على الموانئ والمضائق، لتحويل عزلتها الجغرافية إلى فرصة نفوذ. بهذا المعنى، يصبح البحر بالنسبة إلى أديس أبابا أكثر من منفذ للتجارة؛ يصبح ورقة في إعادة هندسة ميزان القوة في القرن الأفريقي.

حين تُباع الجغرافيا لقاء الاعتراف
لا تملك «أرض الصومال» اعترافًا دوليًا واسعًا، لكنها تملك موقعًا بالغ الحساسية. وهذا الموقع هو رأسمالها السياسي الأكبر. فمن يطل على خليج عدن، ويقترب من باب المندب، ويجاور خطوط التجارة والطاقة، يستطع أن يحوّل الجغرافيا إلى عملة تفاوضية.

وهنا جوهر الخطورة: حين تصبح الجغرافيا الانفصالية قابلة للتوظيف الخارجي، لا تبقى القضية شأنًا صوماليًا داخليًا، بل تتحول إلى سابقة قد تفتح الباب أمام منطق تفكيكي واسع في منطقة تعاني أصلًا هشاشة الدول، وتداخل الصراعات، وانكشاف السواحل أمام القواعد والموانئ والنفوذ الأجنبي.

لذلك كان رد مقديشو حادًا. فقد رفضت الحكومة الصومالية مذكرة التفاهم بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، واعتبرتها بلا أثر قانوني، ثم وقّع الرئيس الصومالي قانونًا لإلغائها، مؤكدًا أن السيادة على الأرض والبحر لا يجوز أن يتصرف فيها كيان انفصالي.

بالنسبة إلى مصر، هذه ليست مسألة قانونية مجردة. الصومال الموحد ليس شعارًا عاطفيًا، بل ركيزة في أمن البحر الأحمر. وكل إضعاف لمقديشو، وكل تمكين لكيان منفصل على الساحل، يعني فتح الباب أمام ترتيبات بحرية وأمنية قد تتجاوز الصومال، وتلامس مباشرة أمن باب المندب وقناة السويس.

الاعتراف كرأس جسر لا كإجراء رمزي
ثم جاءت الحلقة الأكثر دلالة: الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025. فبحسب الإعلان الرسمي الإسرائيلي وتغطيات دولية، وقعت «إسرائيل» و«أرض الصومال» إعلانًا للاعتراف المتبادل، لتصبح «إسرائيل» أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًا بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة. وقد أثارت الخطوة اعتراضات من الصومال والاتحاد الأفريقي ومصر وتركيا وجيبوتي، واعتُبرت تهديدًا لوحدة الصومال واستقرار القرن الأفريقي.

الخطر هنا لا يكمن في الاعتراف الدبلوماسي وحده، بل فيما قد يفتحه من ترتيبات لاحقة. فـ”إسرائيل” لا تحتاج دائمًا إلى قاعدة عسكرية معلنة كي تتموضع، إذ يكفيها اتفاق تعاون، مكتب ارتباط، خبراء أمن، ترتيبات مينائية، شبكة تكنولوجيا، أو وجود استخباري يعمل تحت لافتات مدنية براقة.

والكيان الصهيوني يعرف البحر الأحمر جيدًا. يعرف أن باب المندب ليس بعيدًا عن قناة السويس، وأن من يقترب من جنوب البحر الأحمر يملك قدرة على التأثير في شماله، وأن الممرات البحرية ليست مجرد خطوط ملاحة، بل أدوات نفوذ وردع وابتزاز. ولذلك يجب عدم قراءة الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» كفعل رمزي، بل كـرأس جسر سياسي قد يتحول لاحقًا إلى حضور أمني واقتصادي واستخباري.

مصر بين ضغطين: النيل والبحر
خطورة هذا التحالف الناشئ على مصر أنه يجمع أكثر من ورقة ضغط في وقت واحد. إثيوبيا تنازع مصر في النيل، وتبحث عن منفذ بحري. «أرض الصومال» تعرض موقعها مقابل الاعتراف. «إسرائيل» تتحرك عند باب المندب. والصومال، الحليف الطبيعي لمصر في هذه الدائرة، يتعرض لضغط مباشر على وحدته وسيادته.

هذه ليست ملفات متجاورة؛ إنها حلقات في سلسلة واحدة. فمن يضغط على مصر في مياه النيل، ثم يقترب من باب المندب، ثم يجد دعمًا إسرائيليًا في خاصرة البحر الأحمر، لا يمكن النظر إلى حركته باعتبارها شأنًا أفريقيًا بعيدًا.

لقد التقطت القاهرة هذه الإشارة مبكرًا. فالتقارب المصري-الصومالي- الإريتري في أكتوبر/تشرين الأول 2024 لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاء في سياق إقليمي واضح: دعم الصومال في حماية حدوده البرية والبحرية، وتعزيز التعاون الأمني، وبناء توازن إقليمي في مواجهة الاندفاع الإثيوبي نحو البحر. وقد ربطت تقارير دولية هذا التقارب بتوتر علاقات الصومال مع إثيوبيا على خلفية مذكرة «أرض الصومال»، وبالخلاف المصري-الإثيوبي الممتد حول سد النهضة.

لكن التحرك المصري، على أهميته، لا يكفي أن يبقى رد فعل. المطلوب هو بناء تصور استراتيجي يربط بين أمن النيل وأمن البحر الأحمر، بين السودان والصومال، بين إريتريا وجيبوتي، بين قناة السويس وباب المندب، فالذي يفصل هذه الملفات إداريًا، يفشل في قراءتها استراتيجيًا.

باب المندب: بوابة السويس الجنوبية
حين يضطرب باب المندب، لا تبقى قناة السويس بعيدة. وحين تشتعل الممرات الجنوبية للبحر الأحمر، لا يتأثر اليمن أو الصومال وحدهما، بل تتأثر مصر في اقتصادها ومكانتها ودورها الدولي. فقناة السويس ليست مجرى ملاحيًا فقط؛ إنها أحد أعمدة الوزن المصري في النظام العالمي.

ولهذا، فإن أي تموضع معادٍ أو منافس على حافة باب المندب يجب أن يُقرأ في القاهرة باعتباره مساسًا مباشرًا بأمنها القومي. ليس لأن الخطر سيغلق القناة غدًا، بل لأنه يصنع أوراق ضغط حولها بعد غد. والدول الكبرى لا تنتظر حتى تكتمل الأطواق؛ تقرأ بداياتها، وتمنع تحولها إلى حقائق صلبة.

ما يتشكل اليوم في القرن الأفريقي لا يعلن الحرب على مصر، لكنه يعيد ترتيب البيئة المحيطة بها. وهذه أخطر صور التهديد: أن يتغير المجال الاستراتيجي من حولك، خطوة بعد خطوة، بينما تبدو كل خطوة منفردة قابلة للتفسير أو التجاهل.

من سياسة الموقف إلى سياسة الحضور
المطلوب مصريًا ليس بيان رفض فقط، بل سياسة حضور ممتدة. دعم وحدة الصومال يجب أن يتحول إلى محور ثابت في السياسة المصرية في القرن الأفريقي. وتعميق الشراكة مع مقديشو وأسمرة وجيبوتي يجب ألا يبقى أمنيًا فقط، بل يمتد إلى التدريب والتعليم والصحة والبنية التحتية وبناء المؤسسات.

كما أن ملف سد النهضة يجب أن لا يُقرأ بمعزل عن التمدد الإثيوبي نحو البحر. فإثيوبيا لا تتحرك في ملف واحد؛ إنها تعيد تعريف موقعها الإقليمي. وعلى مصر أن تقرأ الحركة كاملة: من الهضبة إلى الساحل، ومن النيل إلى خليج عدن.

كذلك تحتاج القاهرة إلى خطاب عربي وأفريقي أوضح في رفض مكافأة الانفصال. فالقضية لا تخص الصومال وحده. الاعتراف بكيان منفصل خارج توافق الدولة الأم، وفي منطقة بهذا القدر من الحساسية، يفتح شهية التفكيك في قارة ومنطقة تعانيان أصلًا من هشاشة الحدود والصراعات الداخلية.

حين يتحول الخبر البعيد إلى إنذار قريب
ليس أخطر ما في التحالف الإثيوبي- الصوماليلاندي- الإسرائيلي أنه مكتمل أو معلن في وثيقة واحدة، بل أنه يتقدم كمسار: إثيوبيا تبحث عن البحر بعد أن وضعت يدها على ورقة المياه؛ و«أرض الصومال» تبحث عن الاعتراف عبر بيع الجغرافيا؛ و«إسرائيل» تبحث عن موضع قدم عند باب المندب، حيث تبدأ الطريق إلى قناة السويس.

من سد النهضة إلى باب المندب، ثمة خط واحد يجب أن تراه القاهرة بوضوح: خط يحاول أن يضغط على مصر في مائها وممراتها وعمقها الأفريقي. ومصر التي عرفت عبر تاريخها أن النيل شريان حياة، تعرف أيضًا أن البحر الأحمر ليس بحرًا بعيدًا، بل خاصرة أمن قومي. ومن يقترب من باب المندب لا يقف بعيدًا عن قناة السويس. ومن يعبث بوحدة الصومال لا يهدد مقديشو وحدها، بل يفتح ثغرة في الجدار الجنوبي الشرقي للأمن المصري.

لهذا، لا يجوز التعامل مع ما يجري كخبر خارجي عابر. إنه إنذار استراتيجي. والأمم التي لا تقرأ التحالفات الناشئة في بداياتها، تضطر لاحقًا إلى مواجهتها بعد أن تكتمل حلقاتها.

فالتحالف الذي يتشكل اليوم على خاصرة مصر، إذا تُرك لينضج في الصمت، قد يتحول غدًا من واقعة في القرن الأفريقي إلى معضلة في قلب الأمن القومي المصري.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى