خاصأبرزرأي

دبابات وآليات عسكرية إسرائيلية بلا جنود

حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي”:

منذ عقود، شكّلت الخسائر البشرية هاجساً دائماً للقيادة العسكرية الإسرائيلية، إذ إن سقوط الجنود في ساحات القتال غالباً ما يتحول إلى عامل ضغط سياسي وشعبي داخلي. لكن التطورات التكنولوجية المتسارعة دفعت إسرائيل إلى اعتماد مقاربة جديدة في إدارة الحروب، تقوم على تقليص الوجود البشري المباشر في خطوط المواجهة واستبداله بمنظومات قتالية مسيّرة وقادرة على تنفيذ المهام الميدانية من دون تعريض الجنود للخطر.

في الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية، برزت مؤشرات متزايدة على اعتماد هذا النمط من القتال، سواء عبر الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة أو من خلال إدخال دبابات وآليات يتم التحكم بها عن بُعد في بعض المناطق الحدودية.

وترافق ذلك مع معلومات متداولة عن غياب الوجود البشري المباشر في مواقع معينة دخلتها القوات الإسرائيلية، ومنها مناطق استراتيجية مرتفعة، مثل قلعة الشقيف ومحيطها، حيث يُعتقد أن التكنولوجيا باتت تتولى جزءاً أساسياً من المهام التي كانت تتطلب في السابق انتشاراً واسعاً للجنود.

هذا التحول لا يعكس مجرد تطور تقني، بل يكشف عن خطط عسكرية جديدة تقوم على إدارة الحرب بأقل كلفة بشرية ممكنة. فالتجارب التي خاضتها إسرائيل في جنوب لبنان سابقاً، وكذلك في غزة، أظهرت أن استهداف الجنود يمثل أحد أبرز عناصر الاستنزاف. لذلك أصبح الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة خياراً استراتيجياً يهدف إلى الحفاظ على التفوق العسكري مع الحد من الخسائر التي قد تؤثر على معنويات الداخل الإسرائيلي.

وبحسب المعلومات، فإن الدبابات المسيّرة والآليات الذكية توفر مزايا عديدة، أبرزها القدرة على العمل في المناطق الخطرة والاستطلاع وجمع المعلومات وتنفيذ عمليات نارية من دون الحاجة إلى وجود الطواقم داخلها. كما تسمح هذه الوسائل بإدارة المعارك من مراكز قيادة بعيدة نسبياً عن خطوط النار، ما يمنح الجيش الإسرائيلي مرونة أكبر في اتخاذ القرارات الميدانية.

إلا أن هذا التحول لا يعني أن الحرب أصبحت محسومة لصالح التكنولوجيا. فالاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية يطرح تحديات كبيرة تتعلق بالتشويش الإلكتروني والحرب السيبرانية وإمكانية تعطيل وسائل الاتصال والتحكم. كما أن السيطرة على الأرض تبقى، في نهاية المطاف، مرتبطة بالوجود البشري المباشر، لأن الآلات مهما بلغت درجة تطورها لا تستطيع وحدها تثبيت الوقائع السياسية والعسكرية على المدى الطويل.

في المقابل، يفرض هذا الواقع الجديد تحديات مختلفة على “حزب الله”، إذ تصبح مواجهة المنظومات التكنولوجية جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية. فالمعركة لم تعد تقتصر على استهداف الجنود أو المواقع العسكرية التقليدية، بل باتت تشمل أيضاً شبكات الاتصال والتحكم وأنظمة الاستشعار التي تشكل العمود الفقري للحرب الحديثة.

وفي الجنوب اللبناني، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالمواجهة لم تعد تشبه الحروب الكلاسيكية التي تعتمد على الحشود العسكرية والانتشار الواسع للقوات، بل تتحول تدريجياً إلى صراع بين التكنولوجيا والتكنولوجيا، وبين القدرة على الابتكار والقدرة على التعطيل. ومن هنا تبرز صورة جديدة للحرب، حيث تتقدم الآلة إلى الواجهة ويتراجع الجنود خطوة إلى الخلف، فيما تبقى النتائج النهائية مرهونة بعوامل سياسية وميدانية تتجاوز حدود التكنولوجيا نفسها.

لا شك أن ما يجري اليوم يشير إلى أن ساحات القتال في المنطقة تدخل مرحلة مختلفة عنوانها “الحرب عن بُعد”، مرحلة تسعى فيها إسرائيل إلى تحقيق أهدافها العسكرية من دون دفع أثمان بشرية كبيرة، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الآلات وحدها أن تحسم معارك الأرض والإرادات، أم أن الجندي سيظل، في النهاية، العنصر الحاسم مهما بلغت درجة تطور التكنولوجيا؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى