السعودية والحوثيون: بين اختبار التهدئة وإعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي

خاص”موقع رأي سياسي”:
لم يعد الوضع الأمني بين المملكة العربية السعودية والحوثيين مرتبطاً حصراً بالتطورات على الحدود اليمنية، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي تتداخل فيه الحسابات الإيرانية والتوترات الخليجية. ومع عودة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تواجه الرياض تحدي حماية أراضيها ومنشآتها، مع تجنب الانجرار إلى حرب طويلة الأمد.
خلال الأيام الأخيرة من تشرين الأول، أعلنت السعودية اعتراض صواريخ باليستية ومسيّرات استهدفت مناطق بينها الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية. ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على بعدها العسكري، إذ إن استهداف المراكز المدنية والمنشآت الحيوية يمس أمن الطاقة والتجارة والملاحة في المنطقة، ويقوّض فرص التسوية السياسية.
ويحمّل ذلك الحوثيين مسؤولية مباشرة عن تعطيل مسار خفض التصعيد، كما يطرح تساؤلات حول استعدادهم للانتقال من الضغط العسكري إلى علاقات تقوم على حسن الجوار. فاستمرار الهجمات يجعل أي تهدئة هشة، ويضع المملكة أمام ضرورة إعادة تقييم أدواتها السياسية والأمنية.
مع ذلك، لا تبدو الرياض راغبة في العودة إلى مواجهة مفتوحة في اليمن. فحماية الاستقرار الداخلي والمشاريع الاقتصادية والتنموية تتطلب بيئة إقليمية آمنة، ما يجعل المسار الدبلوماسي خياراً مهماً. غير أن هذا الخيار لا يمكن أن يستمر من دون نتائج عملية أو ضمانات تمنع تكرار الاعتداءات.
في هذا السياق، اكتسب لقاء طهران، الذي جمع السعودية وإيران وتركيا وباكستان في السادس والعشرين من تشرين الأول، أهمية سياسية، ولا سيما مع مشاركة المملكة على مستوى وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان. وقد عكس الحضور السعودي رغبة في اختبار إمكان بناء تفاهمات إقليمية تفتح قنوات مباشرة لمعالجة الملفات الأمنية وتمنع اتساع المواجهة.
لكن مخرجات الاجتماع بقيت في حدود مواصلة الحوار وتعزيز التعاون في مجالي السلام والأمن، من دون اتفاق ملزم لوقف الهجمات الحوثية أو آلية واضحة لتنفيذ التعهدات. كما أن استمرار التهديدات بعد الاجتماع أظهر الفجوة بين التفاهم السياسي والسلوك الميداني.
وتتحمل إيران جانباً مهماً من مسؤولية ردم هذه الفجوة، بحكم علاقاتها المؤثرة بالحوثيين. فإبداء الرغبة في الاستقرار لا يكفي ما لم يتحول إلى خطوات تمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد السعودية ودول المنطقة. وفي المقابل، تحتاج الرياض إلى التعامل مع أي تفاهمات إقليمية باعتبارها مساراً قابلاً للاختبار، لا ضمانة تلقائية لضبط جميع الأطراف المرتبطة بطهران.
إلى جانب الدبلوماسية، تعمل المملكة على تعزيز خياراتها الدفاعية. فقد أظهر اتفاق الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، وما تبعه من اجتماع في الرياض في الخامس من تشرين الأول، توجهاً نحو تطوير التنسيق العسكري والأمني. ويمنح هذا التعاون السعودية قدرة أكبر على حماية منشآتها، كما يربط أمنها باستقرار محيطها الإقليمي.
بناءً على ذلك، ستواصل الرياض الجمع بين الحوار والاستعداد الدفاعي. وسيبقى نجاح أي مسار سياسي مرتبطاً بقدرته على وقف الهجمات، لا بمجرد عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات. أما الخلاصة، فهي أن المملكة لا تبحث عن مواجهة جديدة، لكنها لن تقبل بتهدئة مؤقتة تُستخدم غطاءً لاستمرار التهديد.
لذلك، سيُقاس نجاح لقاء طهران بمدى تحوله إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تضمن أمن السعودية وتدعم انتقال المنطقة من إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات أكثر استقراراً.




