أبرزشؤون دولية

أوروبا أمام اختبار سياسي جديد: هل تعيد التحركات الشعبية رسم مستقبل الاتحاد الأوروبي؟ ولماذا تبرز سويسرا الآن؟

خاص” موقع رأي سياسي”:

لم تعد التحركات الشعبية التي تشهدها عدة دول أوروبية مجرد ردود فعل عابرة على قرارات حكومية أو ظروف اقتصادية صعبة، بل باتت تعكس حالة من التململ المتراكم داخل المجتمعات الأوروبية، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، والضغوط التي تواجهها الخدمات العامة، فضلاً عن تنامي القلق لدى الأجيال الشابة بشأن فرص العمل ومستقبلها الاجتماعي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع انتقال التحركات من دولة إلى أخرى، وتداخل المطالب الاجتماعية مع الاعتراضات السياسية. ففي فرنسا، استمرت التحركات للأسبوع الثالث على خلفية الأوضاع المعيشية والإنفاق العام، فيما شهدت ألمانيا تحركات واسعة قادها شبان طالبوا بتحسين التعليم وزيادة الاستثمارات في الخدمات العامة ورفضوا تحميل الأجيال الجديدة أعباء إضافية. كذلك امتدت التحركات إلى إيطاليا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال، وإن اختلفت أسبابها وحدّة المواجهات من بلد إلى آخر.

ولا يمكن وضع جميع هذه التحركات في إطار واحد، إذ إن لكل دولة ظروفها الداخلية وحساباتها السياسية، لكن ما يجمع بينها هو اتساع المسافة بين الأولويات التي تطرحها الحكومات وما ينتظره المواطنون من نتائج ملموسة. وهذه الفجوة تضع الأنظمة السياسية أمام اختبار يتجاوز قدرتها على احتواء الشارع، ليطال مدى ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

في هذا السياق، يبرز احتمال حدوث تغييرات داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، ليس بالضرورة عبر تفككه أو خروج دول منه، وإنما من خلال إعادة النظر في بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وفي حدود الصلاحيات الممنوحة للمؤسسات المركزية في بروكسل. فالأحزاب التي تدعو إلى توسيع القرار الوطني وتقليص التدخل الأوروبي قد تجد في هذا المناخ فرصة لتعزيز حضورها، خصوصاً إذا استمرت الحكومات في مواجهة المطالب الشعبية بإجراءات محدودة لا تعالج جذور المشكلات.

لكن الاتحاد الأوروبي لا يزال يمتلك عوامل تماسك مهمة، أبرزها المصالح التجارية المشتركة، والترابط المالي والاقتصادي، والتعاون الأمني، فضلاً عن التحديات الدولية التي تجعل التنسيق بين الدول الأعضاء ضرورة يصعب الاستغناء عنها. لذلك، فإن التغيير الأكثر واقعية قد يكون في طبيعة إدارة الاتحاد وأولوياته، لا في بنيته الأساسية.

أما سويسرا، فقد اكتسبت حضوراً لافتاً في هذا المشهد بعد التحركات التي شهدتها زيورخ وبازل في 31 تشرين الأول، والتي تأثر جزء منها بالشعارات والتحركات الشبابية في فرنسا وألمانيا. وقد تخللتها مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق حواجز، ما أعاد طرح تساؤلات حول انتقال التوتر الاجتماعي إلى دول لم تكن في صلب الموجة الأولى.

وتكمن أهمية الحالة السويسرية في أنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، لكنها ترتبط به اقتصادياً وتجاريّاً باتفاقيات واسعة، وتتأثر بالقرارات الأوروبية في مجالات التجارة والتنقل والتعاون الاقتصادي. ومن هنا، فإن ما يجري فيها لا يعني انتقال الأزمة السياسية للاتحاد إلى الداخل السويسري بصورة مباشرة، بل يعكس مدى تأثر المجتمعات الأوروبية بعضها ببعض، حتى خارج الحدود المؤسسية للاتحاد.

كذلك تواجه سويسرا معادلة خاصة تتعلق بالمحافظة على حيادها التقليدي واستقلال قرارها، من جهة، وتطوير علاقاتها مع أوروبا والتكيف مع التحولات الدولية، من جهة أخرى. وهذا التوازن يكتسب أهمية أكبر في ظل التوتر بين روسيا والغرب، والجدل المتواصل حول العقوبات والتعاون الأمني والاقتصادي.

ولا ينبغي المبالغة في اعتبار التحركات السويسرية مؤشراً على تحول داخلي واسع، خصوصاً أن ما شهدته المدينتان بقي محدوداً من حيث الحجم مقارنة بالتحركات في دول أوروبية أخرى. لكن توقيتها وشعاراتها يسلطان الضوء على سرعة انتقال التأثيرات الاجتماعية والسياسية عبر الحدود.

في المحصلة، تقف أوروبا أمام مرحلة تتطلب مراجعة حقيقية للسياسات التي أثقلت كاهل شرائح واسعة من المواطنين. فاستمرار الضغوط المعيشية، إلى جانب تراجع الثقة بالطبقة السياسية، قد يغير موازين القوى داخل عدد من الدول، وينعكس لاحقاً على طريقة اتخاذ القرار الأوروبي.

أما السؤال الذي سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة، فهو ما إذا كانت الحكومات الأوروبية ستتمكن من تحويل المطالب الشعبية إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية فعلية، أم أن استمرار الفجوة بينها وبين مجتمعاتها سيدفع القارة نحو مرحلة جديدة من التباعد السياسي وإعادة توزيع الصلاحيات داخل الاتحاد. فمستقبل المشروع الأوروبي لن تحدده الاتفاقيات وحدها، بل أيضاً قدرة مؤسساته على الاستجابة لمجتمعاته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى