الحرب على إيران.. “نعم بإمكاننا الانسحاب والفرار”

لا شك في أن تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحرب المتجددة على إيران أمر خطير يجب التراجع عنه فوراً، مثل أي مستثمر في سوق الأسهم عليه الاعتراف أنه اشترى أسهماً خاسرة، وللحد من خسائره عليه أن يبيعها لتجنب المزيد من الخسائر، بانتظار أن تنخفض قيمة السهم إلى أدنى مستوياتها، على أمل انتعاشها.
ترامب لا يرغب أبداً في أن يوصف بــ “الخاسر”، لكنه ليس الرئيس الأميركي الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة، ففي منتصف ستينيات القرن الماضي قام الرئيس ليندون جونسون، وهو مدرك تماماً أن الصراع في فيتنام قد يتحول إلى مستنقع أميركي، بتصعيد الحرب، بينما وعد ريتشارد نيكسون الذي تولى الرئاسة بعده، بإنهاء حرب فيتنام، بعد أن صعد حدة القتال بقصف فيتنام الشمالية على أمل إجبارها على التفاوض، كما هو وضع الرئيس ترامب إلى حد ما، بما يحاوله حالياً للضغط على إيران.
أفغانستان والعراق
واجه الرؤساء الأميركيون، ومن ضمنهم ترامب، صعوبة في الانسحاب من مستنقعات أفغانستان والعراق، فقد تمكّن أسامة بن لادن بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، من استدراج الولايات المتحدة إلى حرب طويلة في أفغانستان، التي اكتسبت لقب “مقبرة الإمبراطوريات”. ومنذ أواخر القرن 19، خاضت بريطانيا حروباً متعددة هناك، لكنها عجزت عن تحقيق نصر حاسم، الأمر الذي استنزف قوتها الإمبراطورية.
كذلك، اضطر الاتحاد السوفيتي إلى الانسحاب من أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، ويرى بعض المحللين إن هذا الأمر كان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في تفكك الاتحاد السوفيتي بعد الانسحاب بوقت قصير. وعلى الرغم من هذه التجارب التاريخية واللقب الذي اكتسبته أفغانستان، فإن الإيمان بـ “الاستثنائية الأميركية” دفع جورج دبليو بوش ليس فقط إلى السعي للقبض على أسامة بن لادن أو قتله، بل إلى شن حروب لـ “إعادة بناء” الدول في أفغانستان والعراق، إلى جانب إعلان حرب عالمية على الإرهاب، وهو ما اعتُبر إنجازاً استراتيجياً غير متوقع لبن لادن، إذ أدى إلى استنزاف القوة الأميركية على نطاق واسع.
وفي عام 2011، التزم الرئيس باراك أوباما مبدئياً بالجدول الزمني الذي فرضه الكونغرس على بوش للانسحاب من العراق، لكنه أعاد القوات الأميركية إلى القتال ضد “داعش”، وقد واصل ترامب هذا القتال، وأبقى على بعض القوات الأميركية في العراق حتى يومنا هذا.
على المنوال نفسه، كان قد شهد الصراع في أفغانستان، وهي أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة في تاريخها، محاولات من بوش وأوباما وترامب خلال ولاياتهم الأولى تجنب وصفهم بـ “الخاسر” بإبقاء القوات الأميركية في حرب معروفة أنها خاسرة منذ زمن، مما أدى إلى سقوط المزيد من الأميركيين والحلفاء والأفغان دون داع في ذلك البلد. ولتوضيح سبب صعوبة انسحاب الرؤساء من الحروب الخاسرة، تعرض جو بايدن لانتقادات لاذعة بسبب قلة الخسائر الأميركية والفوضى التي نتجت عن الانسحاب.
ترامب يجد صعوبة في تقبل خسائره
لهذا، يجد ترامب صعوبة نفسية في تقبل خسائره والتخلي عن حرب عدوانية وغير شعبية ضد إيران أشعلها دون داع. لكن إن فعل ذلك الآن، بينما لا تزال إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز، فسينظر إليه على أنه خاسر، وذلك يصعد من وتيرة القتل في حرب خاسرة بالفعل.
يحتاج ترامب إلى إنهاء القصف، وخفض التصعيد في منطقة الخليج، فعلى مدى 11 عاماً، استغل “موهبته السياسية” في مواربة الحقائق والواقع لتتوافق مع عالمه المتخيل، وإقناع قاعدته الشعبية وغيرهم بتصديق ذلك، مع أنه بحاجة ماسة إلى توظيف هذه الموهبة لإنهاء الحرب مع إيران.
قال مؤخراً عضو الكونغرس السابق والمعلق الإعلامي وأحد الصقور المحافظين في السياسة الخارجية جو سكاربورو، “لا يمكننا ببساطة الانسحاب والهرب من إيران”. لكن، مع ترامب “القادر على ثني الحقائق”، بالتأكيد يمكننا ذلك.
المصدر: Eurasia Review




