افتتاحية اليوم: مونديال على خط المواجهة

لم تعد الرياضة بمنأى عن التجاذبات السياسية والصراعات الدولية، بل باتت، في كثير من الأحيان، امتدادًا لها وأداةً من أدواتها الناعمة.
وما يواجهه المنتخب الإيراني قبيل مشاركته في نهائيات كأس العالم 2026 يعكس بوضوح حجم التداخل بين السياسة والرياضة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الخطورة تتسم بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون التحضيرات للمونديال مناسبةً رياضيةً جامعةً تتجاوز الخلافات السياسية، وجد المنتخب الإيراني نفسه أمام قيود وإجراءات استثنائية أميركية فرضت واقعًا مختلفًا على بعثته. فبدلًا من إقامة معسكره التدريبي بصورة طبيعية في الدولة المضيفة، أي أميركا، اضطر إلى اعتماد ترتيبات لوجستية معقدة على الحدود المكسيكية، فيما واجه عدد من أعضاء الجهازين الفني والإداري عقبات حالت دون دخولهم إلى الأراضي الأميركية.
هذا المشهد يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حدود الفصل بين الرياضة والسياسة، فبطولات كأس العالم لطالما قُدمت باعتبارها مساحةً للتلاقي بين الشعوب والثقافات، غير أن التطورات الأخيرة في المنطقة تؤكد أن النزاعات الجيوسياسية الكبرى قادرة على التسلل حتى إلى الملاعب وغرف تبديل الملابس ومراكز التدريب.
وتحمل الإجراءات المفروضة على البعثة الإيرانية أبعادًا تتجاوز الجانب الإداري أو الأمني، فهي تعكس مناخًا سياسيًا متوترًا ينعكس مباشرةً على الرياضيين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة تداعيات لا علاقة لهم بها من الناحية الفنية. فاللاعب الذي يستعد لخوض أهم استحقاق كروي في مسيرته يحتاج إلى الاستقرار النفسي واللوجستي، لا إلى الانشغال بمسائل التنقل والتأشيرات والقيود المفروضة على الحركة.
أما من الناحية الرمزية، فتبدو القضية أبعد من مجرد ترتيبات سفر، إذ إن حرمان جزء من الطاقم الفني والإداري من الدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية يطرح تساؤلات حول قدرة المنتخبات على خوض المنافسة بشروط متكافئة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببطولة يُفترض أنها تخضع لمعايير عالمية موحدة لا تميّز بين دولة وأخرى.
كما أن هذه التطورات تعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول استضافة الأحداث الرياضية الكبرى في دول منخرطة في نزاعات سياسية حادة مع بعض المشاركين. فكلما تصاعدت الأزمات الدولية، ازدادت احتمالات انتقالها إلى المجال الرياضي، ما يضع الاتحادات الدولية أمام اختبار صعب للحفاظ على مبدأ حياد الرياضة.
وانطلاقًا من هنا، يبدو أن المنتخب الإيراني سيخوض مونديال 2026 تحت ضغط مزدوج: ضغط المنافسة داخل الملعب الأخضر، وضغط الحسابات السياسية خارجه. وبين هذين المسارين، تتحول كرة القدم مرةً جديدةً إلى مرآة تعكس صراعات العالم، وتؤكد أن الرياضة، مهما حاولت الابتعاد عن السياسة، تبقى، في كثير من الأحيان، إحدى ساحات تجلياتها الأكثر وضوحًا.




