أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: شباب تحزم الحقائب

لم تعد الهجرة بالنسبة إلى الشباب اللبناني مجرد خيار لتحسين مستوى المعيشة أو البحث عن فرص عمل أفضل، بل تحوّلت في السنوات الثلاث الماضية إلى مشروع نجاة بالنسبة إلى شريحة واسعة منهم. ومع عودة الحرب وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية ونفسية، ارتفعت نسبة الشباب الذين يفكرون بمغادرة البلاد إلى مستويات مقلقة، في مؤشر يعكس حجم الأزمة التي يعيشها لبنان ومستقبل شبابه.

فالحديث عن أن 37 في المئة من الشباب اللبناني يفكرون بالهجرة لا يعبّر فقط عن رغبة فردية بالسفر، بل يكشف عن أزمة ثقة عميقة بالدولة ومؤسساتها، وبقدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار والأمان. فالشاب الذي أمضى سنوات طويلة في مواجهة الانهيار الاقتصادي، وفقدان فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، وجد نفسه مجدداً أمام حرب أعادت إلى ذاكرته مشاهد النزوح والدمار والخوف من المجهول.

وتتجاوز دوافع الهجرة العامل الاقتصادي العادي، فالحرب الأخيرة دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مستقبلهم داخل لبنان، بعدما أدركوا أن الاستقرار ما زال هشاً، وأن أي مواجهة عسكرية جديدة يمكن أن تعيد البلاد سنوات إلى الوراء. وفي ظل غياب رؤية واضحة لإعادة الإعمار أو لتحفيز الاقتصاد، يشعر عدد كبير من الشباب بأن الوقت يمر من دون أن تلوح في الأفق فرص حقيقية لبناء حياة مستقرة.

كما أن الأثر النفسي للحرب لا يقل خطورة عن الأثر الاقتصادي، فالأجيال الشابة التي نشأت وسط الأزمات المتلاحقة تعيش حالة من الإرهاق الجماعي، فمنذ سنوات وهي تنتقل من أزمة مالية إلى أخرى، ومن انفجار إلى حرب، ومن اضطراب سياسي إلى فراغ مؤسساتي، مما ولّد شعوراً متزايداً بأن المستقبل في لبنان أصبح رهينة الأحداث الأمنية والتجاذبات الإقليمية.

وفي المقابل، تبدو الأسواق الخارجية أكثر جذباً للكفاءات اللبنانية، فالدول الخليجية والأوروبية، وكندا، وأستراليا، تواصل استقطاب أصحاب الاختصاصات العلمية والمهنية، مستفيدة من مستوى التعليم المرتفع لدى الشباب اللبناني وقدرتهم على التأقلم والإنتاج. وهذا الواقع يفتح الباب أمام موجة جديدة من نزف الطاقات البشرية التي يحتاجها لبنان بشدة في مرحلة التعافي وإعادة البناء.

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ارتفاع أعداد المهاجرين، بل في تحوّل الهجرة إلى مسألة عادية لدى الشباب. فعندما يصبح الحلم الجماعي هو المغادرة بدلاً من البقاء والمشاركة في بناء الوطن، تكون البلاد أمام تحدٍّ وجودي يتجاوز الأرقام والإحصاءات.

لذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على وقف الحرب أو تحقيق هدنة مؤقتة، بل تتطلب إطلاق مشروع وطني شامل يعيد الثقة بالمستقبل، ويوفر فرص العمل والاستقرار السياسي والأمني. فالشباب لا يبحثون فقط عن وظيفة، بل عن أمل. وإذا استمر هذا الأمل بالتراجع، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام خسارة واحدة من أهم ثرواته، وهي شاباته وشبابه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى