أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: المونديال… هدنة اللبنانيين

في كل مرة تدور فيها عجلة كأس العالم، يبدو وكأن الزمن يتوقف، وتُعلَّق الهموم على أبواب الملاعب، ولو لساعات قليلة. وفي لبنان، حيث تتراكم الأزمات، وتثقل الحرب كاهل الناس، يتحول المونديال إلى نافذة واسعة يطل منها اللبنانيون على عالم مختلف، عالم لا تحكمه صفارات الإنذار ولا الأخبار العاجلة، بل صافرة الحكم، وبراعة اللاعبين، وشغف المنافسة.

فالمشهد في المقاهي والمنازل يكاد يكون واحدًا: شاشات عملاقة، وأعلام منتخبات ترفرف على السيارات وشرفات المنازل، ونقاشات لا تنتهي حول الترشيحات والنتائج، وضحكات تعلو على وقع الأهداف، ناهيك عن “التزريكات” التي غالبًا ما تولد مشاكل حتى بين الإخوة أو الأصدقاء. وكأن اللبناني، المثقل بأعباء الحياة اليومية، يقرر أن يمنح نفسه هدنة قصيرة من واقع لا يملك تغييره، فيستبدل نشرات الأخبار بتحليلات المباريات، ويؤجل التفكير بالغد إلى ما بعد صافرة النهاية.

ولعل أكثر ما يلفت في هذه الظاهرة هو استعداد كثير من الشباب لتحمل أعباء مالية إضافية من أجل متابعة المباريات مباشرة. فهناك من يقتطع جزءًا من مصروفه المحدود، أو يؤجل شراء حاجاته الأساسية، ليشترك مع أصدقائه في القنوات الناقلة، فقط كي لا يفوته أي لقاء. إنها مفارقة تختصر حجم التعلق بكرة القدم، لكنها تعكس أيضًا حاجة نفسية عميقة إلى متنفس يخفف وطأة الضغوط اليومية.

فالرياضة، في أوقات الأزمات، لم تعد مجرد منافسة بين منتخبات، بل أصبحت مساحة للهروب المشروع من القلق، إذ تمنح المشجع شعورًا بالانتماء والحماسة والانتصار، وهي مشاعر يفتقدها في حياته اليومية وسط واقع يزداد تعقيدًا. وخلال دقائق المباراة، ينسى اللبناني ارتفاع الأسعار، وتعطل المؤسسات، وصعوبة التنقل، وحتى أصوات الحرب التي قد تكون على مقربة منه.

كما أن المونديال يعيد إحياء العلاقات الاجتماعية التي أضعفتها الظروف، فالأصدقاء يجتمعون من جديد، والعائلات تلتف حول شاشة واحدة، والمقاهي تستعيد جزءًا من حركتها، فيتحول الحدث الرياضي إلى مناسبة اجتماعية تتجاوز حدود اللعبة نفسها، وتخلق حالة من التفاعل الجماعي يحتاج إليها مجتمع يعيش منذ سنوات تحت ضغط مستمر. لكن هذا الانشغال لا يعني أن اللبنانيين فقدوا إحساسهم بما يجري حولهم، أو أنهم تناسوا الحرب. إنه أشبه باستراحة محارب، يدرك الجميع أنها مؤقتة، وأن الواقع سيعود فور انتهاء المباراة، غير أن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى لحظات يلتقط فيها أنفاسه، وإلى فسحة أمل، ولو كانت على هيئة هدف جميل أو مباراة مثيرة.

من هنا، لا يمكن النظر إلى الحماسة الاستثنائية للمونديال في لبنان على أنها مجرد شغف رياضي، بل هي تعبير عن رغبة عميقة في التشبث بالحياة. فحين تضيق الخيارات، تصبح كرة القدم أكثر من لعبة، وتغدو مساحة للفرح، ووسيلة لمقاومة الإحباط، ورسالة صامتة تقول إن الشعوب، مهما أثقلتها الحروب والأزمات، تبقى قادرة على صناعة لحظات من الفرح، ولو كانت مدتها تسعين دقيقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى