رأي

أوروبا العاجزة !

بندر الدوشي – العربية:

حتى هذه اللحظة، يظل الموقف الأوروبي تجاه الحرب المندلعة في الخليج متذبذباً ومتأخراً بشكل لا يتماشى مع عمق التحالفات الاستراتيجية. كشف هذا التردد عن ثغرة في الموثوقية الأوروبية وقت الأزمات، وهو ما يعزز وجهة النظر التي طرحها ترمب حين وصفهم بالجبن نتيجة تراجعهم عن اتخاذ مواقف حازمة لردع الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة.

لسنوات، قوبلت التحذيرات السعودية والخليجية بشأن العدوانية الإيرانية بنوع من الاستخفاف الأوروبي، حيث وُصفت آنذاك بالمبالغة والتهويل. غير أن الواقع اليوم أثبت صحة تلك الرؤية الاستشرافية، إذ تحولت تلك المخاوف إلى حقيقة ماثلة، وباتت الصواريخ الإيرانية التي يصل مداها إلى 4000 كم تضع العواصم الأوروبية في مرمى استهدافها المباشر.

من صفقة أوباما النووية في 2015 إلى عمليات الغضب الملحمي اليوم، يتجلى الفشل الاستراتيجي الغربي في التعامل مع النظام الإيراني. وما نراه الآن هو الثمن الباهظ لعشر سنوات من تجاهل الوقائع الواضحة، حيث شرعنت تلك الصفقة المعيبة عدوانية النظام الإيراني ومنحت النخب الأوروبية مبرراً زائفا للتقاعس.

ما يحدث في المنطقة اليوم وامتداد تأثيره على دول العالم هو النتيجة المنطقية لتفضيل الأوهام الدبلوماسية على مواجهة الحقائق الصعبة التي طالما حذرت منها دول المنطقة. استندت استراتيجية العقد الماضي التي تبناها أوباما وقادة أوروبا إلى ركيزة واحدة مختلة، وهي إمكانية احتواء النظام الإيراني عبر اتفاقات نووية محدودة، مع تجاهل برنامجه الصاروخي وشبكة ميليشياته في المنطقة. ومن خلال التركيز على الاتفاق النووي الضعيف، منح الغرب طهران فعلياً الضوء الأخضر لبناء الترسانة التقليدية التي تهدد اليوم مدناً مثل لندن وباريس وبرلين.

الضربة التي استهدفت قاعدة دييغو غارسيا في 22 مارس تمثل إعلاناً واضحاً بأن نفوذ النظام تجاوز مرحلة الصراع الإقليمي، وقبل ذلك تمادى في عدوانه عبر إطلاق آلاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تجاه دول المنطقة، مستهدفاً بشكل ممنهج البنية التحتية والمطارات والمرافق المدنية الحيوية. وقد تجاوز هذا السلوك الإجرامي في حدته النزاعات الدولية الكبرى، فبرغم حالة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلا أن الأخيرة لم تستهدف العواصم الغربية بهذه الطريقة الهمجية كما تفعل إيران الآن رغم دعمها العسكري الشامل لأوكرانيا.
التردد الغربي الحالي ليس سوى تكرار لخطأ استراتيجي دفع العالم ثمنه سابقاً. ولأن في التاريخ عبراً، نستذكر ما حدث في عام 1938 في اتفاقية ميونيخ، التي تمثل نموذجاً كلاسيكياً لسياسة الاسترضاء. حينها اختار كل من نيفيل تشامبرلين رئيس وزراء المملكة المتحدة وإدوار دالادييه رئيس وزراء فرنسا تقديم تنازلات لألمانيا عبر السماح بضم إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا، على أمل احتواء طموحاته التوسعية وتجنب الحرب الشاملة. حينها كانت المشكلة الجوهرية في القراءة الخاطئة لطبيعة النظام الألماني، وافترض القادة الأوروبيون أن تلبية مطالب محدودة ستؤدي إلى تهدئة السلوك العدواني، لكن ما حدث هو العكس، إذ عززت التنازلات ثقة برلين وقدرتها على المضي في سياستها دون رادع، ما مهد الطريق لاندلاع الحرب العالمية الثانية بعد أقل من عام.

وعند إسقاط هذا النموذج على السياق الحالي، تظهر أوجه تشابه بنيوية مثل سوء تقدير النوايا الاستراتيجية. وكما قلل تشامبرلين ودالادييه من تهديد ألمانيا النازية، تعاملت السياسات الغربية مع إيران كنظام يمكن ضبطه عبر أدوات محدودة مثل الاتفاق النووي، متجاهلة برامجه الصاروخية ووكلاءه الإقليميين، وحتى الاتفاق النووي كان محدداً بفترة زمنية وسيسمح للنظام الإيراني في نهاية المطاف بتخصيب اليورانيوم.

اليوم التقاعس الأوروبي يفسر على أنه ضعف، ويشجع النظام على مزيد من التصعيد. كما أن التأخر في اتخاذ موقف حازم يزيد كلفة المواجهة لاحقاً، كما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين. صحيح أن النظام الدولي اليوم أكثر تعقيداً وتوازنات القوة مختلفة، لكن جوهر المقارنة يبقى قائماً، وهو تجاهل نظام ذي طموح توسعي يؤدي غالباً إلى تصعيد مؤجل وليس استقراراً دائماً، ويعني ببساطة تأجيل المواجهة مع طرف عدواني يرفع الكلفة ويزيد المخاطر على الأطراف المحيطة.

صحيح أن أوروبا منشغلة في الصراع مع روسيا وتخشى من موجة لجوء واسعة في حال سقوط النظام الإيراني، وهو ربما أحد المبررات الرئيسية لترددها الذي تحول إلى نوع من القلق الإنساني واستخدم كغطاء لتردد أخلاقي واستراتيجي. وفي الحقيقة لا أحد يرغب بإسقاط النظام ، لكن النظام نفسه مازال متمسكاً بتطوير الأسلحة النووية ودعم الميليشيات وتطوير قدرات الصواريخ لتصبح أكثر تدميراً ومحاولة الهيمنة على المنطقة بكل الطرق المتاحة.

على أية حال، لم يشفع حجم التبادل التجاري الضخم، الذي يتجاوز 200 مليار دولار، في دفع أوروبا نحو اتخاذ مواقف جادة لحماية مصالحها المشتركة في المنطقة، ما كرس قناعة خليجية بضرورة إجراء مراجعة شاملة للعلاقة مع القارة العجوز. وغدا من المحتم على العواصم الخليجية التوجه نحو صياغة شراكات أمنية أكثر براغماتية مع قوى دولية بديلة، بالتوازي مع تعزيز سيادتها الدفاعية ومنظوماتها الصاروخية.

وفي تقديري الشخصي، أرى أن المنطقة قد عبرت بالفعل نقطة اللاعودة بعد ضرب مئات الصواريخ بعيدة المدى عمق دولنا الخليجية، ويبدو أن نافذة الحلول الدبلوماسية قد أغلقت بلا رجعة. هذا النظام الثوري لا يملك في أجندته مكاناً لأنصاف الحلول. وأعتقد أن استمرار أوروبا في استنساخ سقطات القرن العشرين سيجعلها مجرد متفرج على حريق ستكون هي ضحيته الأكثر هشاشة. الطريق الوحيد والمستدام هو التفكيك الجذري لقدرة هذا النظام على إشعال الحروب، أي خيار آخر في نظري ليس إلا تأجيلاً لمواجهة حتمية، وسندفع ثمنها جميعاً بكلفة مضاعفة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى