افتتاحية اليوم: إسرائيل تستهدف رزق الجنوبيين

لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان تقتصر على الغارات الجوية أو عمليات التوغل والتجريف، بل أُضيف إليها في الآونة الأخيرة أسلوب جديد يقوم على إحراق الأراضي الزراعية بصورة ممنهجة، عبر إلقاء طائرات مُسيَّرة قنابل حارقة على خراج عدد من البلدات الحدودية. وبات هذا المشهد يتكرر بشكل شبه يومي، حيث تندلع حرائق واسعة تمتد بسرعة في الحقول اليابسة، مخلفةً وراءها مساحات شاسعة من الأراضي المحترقة، في مشهد يعكس انتقال الحرب إلى استهداف مقومات الحياة والاقتصاد في القرى.
وقد التهمت النيران مئات الدونمات المزروعة، ولا سيما حقول القمح، إضافة إلى بساتين الزيتون وأشجار اللوز والتين ومحاصيل موسمية أخرى، ما ألحق خسائر فادحة بالمزارعين الذين كانوا يعولون على هذا الموسم لتعويض جزء من الخسائر التي راكموها خلال الأشهر الماضية.
ولا ينظر أبناء الجنوب إلى هذه الحرائق على أنها حوادث عابرة، بل يعتبرونها امتدادًا لسياسة تهدف إلى تحويل الأرض الزراعية إلى أرض محروقة، ودفع السكان إلى الابتعاد عنها بفعل استحالة الاستثمار فيها أو حمايتها. فالقنابل الحارقة لا تستهدف مجرد أعشاب يابسة، بل تضرب دورة الإنتاج الزراعي بكاملها، وتدمر سنوات طويلة من العمل، خصوصًا عندما تطاول أشجار الزيتون التي تحتاج إلى عقود حتى تبلغ مرحلة الإنتاج الكامل.
وتزداد خطورة هذه الاعتداءات مع ارتفاع درجات الحرارة والرياح الصيفية، التي تساعد على انتشار الحرائق بسرعة كبيرة، فيما تعجز فرق الدفاع المدني والهيئات المحلية، في كثير من الأحيان، عن الوصول إلى مواقع النيران بسبب استمرار التحليق المعادي، أو وعورة التضاريس، أو الخشية من استهداف فرق الإطفاء نفسها، الأمر الذي يسمح للنيران بالتمدد لساعات طويلة قبل السيطرة عليها.
ويحذر مختصون في وزارة الزراعة من أن الخسائر لن تقتصر على الموسم الحالي، بل ستترك آثارًا طويلة الأمد على خصوبة التربة والتنوع البيئي، إذ تؤدي الحرائق المتكررة إلى القضاء على الغطاء النباتي والكائنات الحية الدقيقة الضرورية لاستمرار الإنتاج الزراعي، فضلًا عن زيادة احتمالات انجراف التربة مع أول موسم للأمطار.
كما أن استهداف القطاع الزراعي يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود الجنوب، باعتبار أن هذه المناطق تشكل خزانًا أساسيًا لإنتاج الحبوب والزيتون وعدد من المحاصيل التي تؤمن جزءًا مهمًا من الأمن الغذائي اللبناني. ومع احتراق هذه الأراضي، يخسر المزارعون مصدر دخلهم الوحيد، فيما تتكبد الأسواق المحلية خسائر إضافية نتيجة انخفاض الإنتاج وارتفاع كلفة الاستيراد.
ويرى هؤلاء أن هذه السياسة تأتي في إطار حرب استنزاف شاملة تستهدف الإنسان والأرض معًا، بحيث يصبح البقاء في القرى أكثر صعوبة مع تراجع فرص العمل والإنتاج. فالرسالة التي تحملها الحرائق تتجاوز بعدها العسكري إلى محاولة ضرب عوامل الصمود، وإفراغ المناطق الحدودية تدريجيًا من سكانها عبر إنهاكهم اقتصاديًا ومعيشيًا.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى تحرك رسمي ودولي عاجل لا يقتصر على إدانة الاعتداءات، بل يشمل توفير الإمكانات اللازمة لحماية القطاع الزراعي، وتعويض المزارعين، ودعم فرق الإطفاء والإنقاذ؛ لأن استمرار استخدام النار سلاحًا ضد الأراضي الزراعية ينذر بكارثة بيئية واقتصادية ستكون تداعياتها أوسع بكثير من حدود القرى التي تشتعل اليوم، لتطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في لبنان بأسره.




