أزمة تأخير الرواتب: العراق يدفع ثمن «إدمان النفط»

فقار فاضل – الأخبار:
تحوّلت أزمة الرواتب في العراق من مشكلة سيولة مؤقتة إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الصمود، بعدما أدّى تراجع الإيرادات النفطية وتعطّل الصادرات إلى تعميق العجز المالي وتهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تعكس أزمة تأخير الرواتب في العراق حجم تأثّر النموذج الاقتصادي للبلاد، القائم على الاعتماد شبه المطلق على النفط، بالحرب على إيران. فمع استمرار إغلاق مضيق هرمز، وتراجع صادرات الخام بفعل التصعيد الإقليمي، وجدت بغداد نفسها أمام فجوة مالية تهدّد قدرة الدولة على الإيفاء بأهمّ التزاماتها، وفي مقدّمتها رواتب أكثر من تسعة ملايين موظّف ومتقاعد ومستفيد من شبكات الحماية الاجتماعية.
وبحسب وزير المالية، فالح الساري، فإن الالتزامات الشهرية للرواتب تبلغ نحو 6 مليارات دولار، في وقت يُقدَّر فيه عجز السيولة المُتاحة لتوفير هذا المبلغ بنحو 40%. وأقرّ المتحدّث باسم الحكومة، حيدر العبودي، بدوره، بوجود فجوة كبيرة بين الإيرادات والالتزامات، مشيراً إلى أن الحكومة تبحث عن حلول داخلية، من بينها الاقتراض، من شأنها تجنيب البلاد انهيار انتظام صرف الرواتب. أمّا وزير الصحة، عبد الحسين الموسوي، فأعلن أن الحكومة باتت تقضي معظم وقتها في البحث عن آليات لتأمين الرواتب، وهو ما انعكس حتى على قطاعات حيوية، كالقطاع الصحي، حيث حصلت شركة «كيماديا» لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية على نسبة محدودة من موازنتها.
وفي الإطار نفسه، يؤكد مصدر حكومي، لـ«الأخبار»، أن الأزمة «أكبر ممّا يعتقد كثيرون، ولا يمكن السيطرة عليها خلال شهر أو شهرَين»، مشيراً إلى أن «الأشهر المتبقّية من العام الحالي قد تكون الأكثر صعوبة مع استمرار شحّ السيولة وتراجع الإيرادات النفطية». ويلفت إلى أن رئيس الوزراء، علي الزيدي، شكّل لجنة متخصّصة لإدارة الأزمة المالية، مهمّتها إيجاد بدائل مؤقّتة لتجاوز المرحلة، ومنع أيّ اضطراب اقتصادي أو اجتماعي قد ينعكس على استقرار البلاد.
وبحسب تقديرات حكومية، خسر العراق نحو 30 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الماضية، وذلك نتيجة تعطّل تصدير النفط عبر مضيق هرمز، فيما تراجعت صادرات الخام إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً في النصف الأول من العام، بعائدات بلغت 18.5 مليار دولار فقط – وهي أقلّ بكثير من الإيرادات التي بُنيت عليها الموازنة العامّة -. في المقابل، يواصل الإنفاق التشغيلي تضخّمه، بينما يقترب الدين الداخلي من مستويات تُراوِح بين 80 و95 مليار دولار، مع اتجاه الحكومة إلى اقتراض أكثر من 2.3 مليار دولار من المصارف المحلّية – بفائدة تبلغ 5.25% -، بهدف تغطية رواتب الأشهر المقبلة.
وتلفت النائبة في اللجنة المالية النيابية غفران الشمري، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن البلاد تواجه «عجزاً مالياً حقيقياً» في تأمين الرواتب، مضيفة أن الأزمة كشفت هشاشة الاعتماد على النفط بوصفه المورد الرئيس للدولة. وترى أن «الاقتراض قد يوفّر متنفّساً مؤقتاً، لكنه لا يغني عن تنويع مصادر الإيرادات»، داعية إلى إجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية تمنع تحوّل الأزمة إلى شلل يصيب مؤسّسات الدولة.
الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط جعل العراق مكشوفاً أمام التطورات الجيوسياسية
من جهته، يحذّر الخبير الاقتصادي، حسن الزين، في حديث إلى «الأخبار»، من أن العراق قد يدخل «أشهراً عجافاً» إذا ما استمرّ إغلاق هرمز، معتبراً أن غالبية الحلول الحكومية المطروحة حتى الآن لا تتجاوز كونها «معالجات ترقيعية» تفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة. ويضيف أن «خلفية رئيس الوزراء في قطاع الأعمال لا تكفي وحدها لمواجهة أزمة بهذا الحجم، لأن جذورها تتعلّق ببنية الاقتصاد الريعي، لا بإدارة السيولة فقط».
ولا يختلف عضو «مركز العراق للدراسات»، كاظم الجابري، مع هذا التقييم، منبّهاً، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن أيّ اتجاه لطباعة العملة خيار «ركيك وغير مدروس»، قد يقود إلى ضغوط تضخّمية وانخفاض القوة الشرائية. ويشدّد على أن العراق يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده عبر تفعيل الزراعة والصناعة والتجارة والقطاع الخاص، ومحاربة الفساد والمحاصصة، والانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد مُنتِج أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
وفي المقابل، يدافع المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، عن توجّه الحكومة، معتبراً أن «الأزمة ليست أزمة إفلاس، بل أزمة إدارة تدفّقات نقدية فرضتها ظروف استثنائية»، مؤكداً أن «بغداد ستواصل اعتماد مزيج من أدوات التمويل، بينها الاقتراض الداخلي والخارجي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مع الاستفادة من الاحتياطيات الأجنبية للحفاظ على الاستقرار المالي».
إزاء ذلك، يعيش الموظفون والمتقاعدون الذين يعتمدون بالكامل على الرواتب، حالة قلق متصاعدة مع كلّ يوم تأخير، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحوّل الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية تمسّ ملايين العراقيين، خصوصاً إذا ما استمرّ التصعيد الإقليمي وتعطُّل صادرات النفط. وبينما ترتبط الأزمة الحالية مباشرة بتداعيات المواجهة الأميركية – الإيرانية وإغلاق «هرمز»، فإنها تكشف أيضاً أن العراق، بعد أكثر من عقدَين من الاعتماد على العائدات النفطية الضخمة، ما زال يفتقر إلى اقتصاد قادر على الصمود عندما يتوقّف تدفّق النفط، الأمر الذي يجعل مستقبل الاستقرار المالي للبلاد رهينة التطورات الجيوسياسية، فضلاً عن كونه رهينة الإصلاحات المؤجّلة.




