رأي

أردوغان وأوجلان: تسوية كردية برعاية أميركية

حسني محلي – الميادين:

الحلّ التركي للقضية الكردية: تقارب أنقرة مع أوجلان برعاية أميركية، وسط تحولات إقليمية تعيد رسم مستقبل الأكراد وسوريا والمنطقة.

في الذكرى السنوية الـ 106 لاتفاقية سيفر التي كانت تهدف إلى إقامة دولة كردية جنوب شرق تركيا، والتي رفضها مصطفى كمال أتاتورك بعد قيام الجمهورية التركية في أكتوبر/ تشرين الأول 1023 ، شاء القدر للدولة التركية تحت حكم الرئيس إردوغان أن تدخل من بوابة الحل النهائي للقضية الكردية من خلال القانون الذي أقرّه البرلمان، ويهدف العفو عن مسلحي الكردستاني ولاحقاّ عن قياداته، بمن فيهم عبد الله آوج آلان المعتقل منذ شباط/ فبراير 1999.

وجاء هذا التطور بعد حوالى 22 شهراّ من خطاب زعيم حزب الحركة القومية دولت باخشالي في الـ 22 من أكتوبر/تشرين الأول 2024، والذي دعا فيه عبد الله آوج آلان إلى إلقاء خطاب في البرلمان والإعلان عن وقف العمل المسلح وحلّ الحزب نهائياّ، وهو ما فعله آوج آلان في مارس/ آذار العام الماضي. وقيل إنه قد أجتمع قبل ذلك بمستشار الأمن القومي البريطاني جاناثان باول الذي لعب مع الرئيس كلينتون دوراّ أساسياّ في حل المشكلة الأيرلندية عام 1998.

وشهدت الأشهر اللاحقة لخطاب دولت باخشالي سلسلة من التطورات المثيرة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، وأهمها سقوط نظام الأسد بعد 46 يوماً من خطاب باخشالي، حيث اعترف الرئيس ترامب أكثر من مرة أنه هو والرئيس إردوغان أسقطا الأسد وجعلا من الشرع رئيساّ في سوريا’. وقد يعني ذلك أن دولت باخشالي ومعه الرئيس إردوغان كانا على علم مسبق باقتراب نهاية الأسد، فاحتاطا للتطورات المحتملة على صعيد المشكلة الكردية في سوريا، وكانت تركيا سببها، بعد أن دعمت المعارضة المسلحة ضد نظام الأسد.

واستغلت واشنطن كل هذه التطورات، فقامت بنقل مظلوم عبدي بمروحية عسكرية من القامشلي إلى دمشق ليوقّع في الـ 11 من مارس/ آذار 2025، أي بعد ثلاثة أشهر من سقوط الأسد، على أتفاق الشراكة بين الدولة السورية الجديدة والكرد. وعلى الرغم من أعتراض أنقرة على هذا الاتفاق الذي سعت في البداية إلى عرقلته، إلا أن الضغوط الأميركية التي تمادى فيها السفير توم برّاك، كانت كافية لضمان تطبيق الاتفاق النهائي بين الطرفين وبدعم من مسعود البرزاني المقرّب من الرئيس إردوغان الذي وجد نفسه مضطراّ لإضاءة الضوء الأخضر للمسار الجديد بعد أن تأكد له أن واشنطن مصممة على حسم هذا المسار بالشكل الذي يخدم مصالحها الإقليمية، ولما للورقة الكردية من ثقل استراتيجي في مجمل تطورات المنطقة.

مع التذكير بالرسالة التي بعثها الرئيس ترامب للرئيس إردوغان في الـ9 من أكتوبر تشرين الأول 2018 أي قبل ثماني سنوات وقال له فيها ‘ لا تكن غبياً وكفاك عناداً فاجلس مع الجنرال عبدي واتفق معه على كل التفاصيل ‘ اتهمت المعارضة الرئيس إردوغان بالانصياع لتعليمات الرئيس ترامب والرضوخ لمطالب عبد الله آوج آلان الذي قيل إنه هو الذي وضع اللمسات الأخيرة على قانون العفو العام، وقد يشمل الرئيسين المشتركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي السابق صلاح الدين دميرطاش وفيكان يوكساكداغ، وهما موجودان في السجن منذ 10 سنوات، وطالبت المحكمة الدستورية العليا أكثر من مرة بإخلاء سبيلهما، إلا أن الحكومة لم تلتزم بذلك.

في الوقت الذي تتحدث فيه المعلومات عن مشروع أميركي جديد لمعالجة المشكلة الكردية، مستفيدة من واقع العلاقات الوطيدة بين أنقرة ودمشق وكردستان العراق، وعلى الرغم من الخلافات التقليدية بين عائلة البرزاني الموالية لواشنطن والمقربة من تركيا وعائلة الطلباني المقربة من إيران والأكثر قبولاً من جانب حزب العمال الكردستاني التركي.

بعد أن أصبح الكردستاني الأكثر قبولاً في الحسابات الأميركية، شريطة أن يكون في خدمة الأجندات الأميركية، وخاصة ضد إيران، والتي يبدو أن الرئيس إردوغان قد أنتبه إليها، فبادر إلى الحوار والتنسيق والتعاون مع زعيم الحزب عبد الله آوج آلان، ويتوقع البعض له أن يكون مانديلا تركيا .

فقد استغل الظروف الحالية في تركيا وسوريا وإيران والمنطقة عموماً، بعد أن تحولت وحدات حماية الشعب الكردية إلى قوة عسكرية لا يُستهان بها بفضل الدعم الأميركي والفرنسي والبريطاني والألماني والإيطالي خلال ما يسمى سنوات الربيع العربي، التي لعب خلالها الرئيس إردوغان دوراً رئيسياً بالتنسيق والتعاون مع واشنطن. ويعرف الجميع أنها تريد لأنقرة أن تساعدها في جميع مشاريعها ومخططاتها الإقليمية والدولية، بعد أن قال الرئيس ترامب أكثر من مرة ‘ إنه يحب الرئيس إردوغان كثيراّ لأنه يفعل كل ما يطلبه منه دائماّ “.

ويفسر ذلك حديث السفير توم برّاك عن ‘ضرورة عودة تركيا إلى الحكم العثماني’ وتذكير الجميع بأن ‘الرئيس إردوغان يستمد شرعيته السياسية في الحكم من الرئيس ترامب ‘ ومن دون أن يتجرأ أحد للرد عليه، كما لم يتجرأ أحد للرد على رسالة ترامب لإردوغان قبل ثماني سنوات. وفي جميع الحالات، وأياّ كانت تطورات المرحلة القادمة بالنسبة لتطبيق قانون العفو الذي سيشمل قريباّ آوج ألان، يبدو واضحاّ أن أنقرة تراقب عن كثب عملية دمج وحدات حماية الشعب الكردية داخل المؤسسات العسكرية والامنية في سوريا، مع المعلومات التي تتوقع حل قسد والكيانات الكردية كافة شرق الفرات بعد تعيين مظلوم عبدي وعد من رفاقه في مناصب عليا في دمشق، ومنها نائب رئيس الجمهورية وبعض الوزارات. وهو الموضوع الذي تراقبه أنقرة عن كثب عبر حوارها المباشر مع دمشق ولأن الرئيس إردوغان يسعى لأن يكون صاحب الصوت الأعلى والأقوى في تقرير مصير القضية الكردية إقليمياّ، وذلك بالتنسيق مع الرئيس ترامب، طالما أن كرد المنطقة وخاصة آوج آلان سينفذون ما سيطلبه منهم، ولكن من دون تحديد الهدف النهائي، أي قيام الدولة الكردية المستقلة. وستكون في نهاية المطاف على حساب الدول الأربع وهي سوريا والعراق وتركيا وإيران التي لا ولن يكون سهلاً عليها، وخاصة تركيا، أن توافق على مثل هذه الدولة التي ستواجه اعتراضاً واسعاً في الشارع التركي القومي. وهو ما لا ولن يبالي به الرئيس إردوغان، الذي تقول عنه المعارضة إن ما يهمه هو ضمان تأييد الناخبين الكرد له لتغيير الدستور، وحتى يتسنى له ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة للمرة الثالثة أو الرابعة وربما إلى الأبد. مع التذكير بمساعي الرئيس إردوغان للتخلص من الدستور العلماني الحالي، ليتسنى له أسلمة الدولة والأمة التركية التي لم تعد ضمن لائحة الدول الديمقراطية في العالم، خاصة بعد أن جرى القضاء على أنواع المعارضة السياسية والإعلامية كافة وسيطرة الرئيس إردوغان على جميع أجهزة ومرافق الدولة التركية وأهمها الجيش والاستخبارات والأمن والإعلام والقضاء، وجميع المؤسسات المالية التي ضمنت وتضمن له البقاء في السلطة، وعلى الرغم من الأزمات المالية والاقتصادية الخطيرة التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس.

ويبدو أن كل ذلك ليس ضمن اهتمامات الرئيس إردوغان الذي يتمنى للرئيس ترامب أن يساعده لتحقيق حلم الرئيس الراحل تورغوت أوزال، الذي أراد بعد هزيمة صدام حسين في حرب الكويت 1991 أن يضم الشمال العراقي إلى تركيا بموافقة الزعيمين الكرديين مسعود البرزاني وجلال الطلباني. في الوقت الذي كان فيه حلم إردوغان أكبر من ذلك بكثير، عندما تحدث في بدايات الربيع العربي عن خارطة الميثاق الوطني لعام 1920 والتي كانت ترى في الشمال السوري والعراقي معاً جزءاً من الجغرافيا التركية، التي يبدو أنها كانت وما زالت في مركز القرار الخاص بمستقبل الشعب الكردي الذي فشل في توحيد صفوفه، ليس فقط على الصعيد القومي بل على الصعيد الوطني داخل كل دولة من دول الجغرافيا الكردية، التي كانت منذ سايكس بيكو ووعد بلفور وسيفر محط أنظار الجميع، وخاصة التحالف الصهيو- أميركي. ويعرف الجميع أن هذا التحالف لا يريد للكرد والعرب والترك والفرس أن يلتقوا أبداً وحتى إن كان ذلك في الحد الادنى من المصلحة المشتركة، وتتطلب من الجميع المزيد من الشفافية والمصداقية والالتزام الأخلاقي والإنساني في الشعور المتبادل للعيش الكريم والشريف، بعد أعتراف الجميع بالحقوق القومية للكرد، وإلا فالحظ لن يحالف أحداً من الكرد والعرب والترك والفرس وغيرهم من شعوب المنطقة للخلاص من شر العدو المشترك وهو التحالف الصهيو أميركي الذي عاد إلى حديثه التقليدي عن حقوق الكرد، وهو الذي غدر بهم دائماً، حيث قضى على جمهورية مهاباد الكردية في إيران، ثم على ثورة الكرد في العراق بعد أن غدر بهم الشاه عام 1975، وأخيراّ عندما قامت الاستخبارات الأميركية ومعها الموساد الإسرائيلي باختطاف آوج آلان من العاصمة الكينية وسلّمته لأنقرة في الـ 14 من شباط/ فبراير 1999، وها هي الآن تطلب من إردوغان إخلاء سبيله ولكن من دون أن تقول لنا جميعاً، وللأمة الكردية خاصة، لماذا ومقابل ماذا هي تفعل كل ذلك!

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى