رأي

الهاجس الصيني في العقلية الترامبية

أحمد ناجي قمحة – الأهرامات:


لم تعد الصين في الخطاب السياسي الأمريكي مجرد “قوة دولية منافسة”، بل تحولت تدريجيًا إلى رمز سياسي وثقافي وإعلامي يُستخدم داخل الصراع الأمريكي الداخلي ذاته فالمواجهة بين واشنطن وبكين لم تعد تدور فقط حول التجارة أو التكنولوجيا أو النفوذ العسكري، وإنما أصبحت جزءًا من “حرب السرديات” التي تعصف بالمجتمع الأمريكي منذ سنوات، وتحديدًا منذ صعود الظاهرة الترامبية.

في هذا السياق، جاءت التغريدة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتكشف جانبًا بالغ الأهمية من طبيعة هذه التحولات. فترامب لم يكن يتحدث فعليًا عن إيران بقدر ما كان يتحدث عن الإعلام الأمريكي، ولم يكن يهاجم طهران بقدر ما كان يهاجم “الرواية المضادة” داخل الولايات المتحدة نفسها.

التغريدة التي تحدث فيها ترامب -بأسلوبه المبالغ والصدامي المعتاد- عن سيناريو استسلام إيراني كامل، ثم زعمه أن الإعلام الأمريكي سيصور ذلك باعتباره “انتصارًا إيرانيًا”، لم تكن مجرد نوبة غضب سياسية أو خطاب انتخابي تقليدي، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن أزمة أعمق داخل النظام الأمريكي: أزمة الثقة بين السلطة والإعلام، وبين الشعبوية والمؤسسة التقليدية، وبين الرواية الرسمية والرواية المضادة.

لكن اللافت أكثر كان استخدام ترامب لعبارة “صحيفة الصين وول ستريت” في إشارة ساخرة إلى صحيفة “ذا وول ستريت”. هذه العبارة تبدو ظاهريًا مجرد هجوم إعلامي عابر، لكنها في الحقيقة تختصر فلسفة سياسية كاملة تقوم عليها العقلية الترامبية.

فترامب يدرك أن الصراع مع الصين أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في الوعي الأمريكي المعاصر، ولذلك يسعى إلى توظيف “الصين” باعتبارها رمزًا سياسيًا داخليًا، لا مجرد خصم خارجي. فحين يصف صحيفة أمريكية كبرى بأنها “صحيفة الصين وول ستريت”، فهو لا يتهمها حرفيًا بالعمالة لبكين، وإنما يحاول ربطها ذهنيًا بمنظومة العولمة التي يحمّلها مسؤولية تراجع الصناعة الأمريكية وصعود الصين اقتصاديًا.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في الخطاب السياسي الأمريكي، فالصين لم تعد فقط “دولة منافسة”، بل أصبحت في المخيال الشعبوي الأمريكي رمزًا لفشل النخب التقليدية.

من هنا، يمكن فهم التناقض الظاهري في سلوك ترامب تجاه بكين، خاصة بعد زيارته الأخيرة للصين. فالرجل الذي يصعّد خطابه ضد الصين باستمرار، هو نفسه الذي يسعى إلى التفاوض معها وعقد تفاهمات مباشرة معها. لكن هذا التناقض ليس ارتباكًا سياسيًا بقدر ما هو جزء من أسلوب ترامب نفسه.

فالترامبية لا تقوم على العداء الأيديولوجي التقليدي، وإنما على “التفاوض من موقع الصدام”. أي استخدام التصعيد الإعلامي والسياسي كأداة لتحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة للوصول إلى القطيعة.

ولهذا يحاول ترامب دائمًا الجمع بين مسارين متوازيين:

  • الانفتاح البراجماتي على الصين عندما يخدم المصالح الأمريكية أو مصالحه السياسية،
  • وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورته كرجل “صارم” في مواجهة بكين أمام قاعدته الانتخابية.

إذ يدرك ترامب أن أي تقارب أمريكي–صيني قد يُفسَّر داخل التيار القومي المحافظ باعتباره “تنازلًا”، ولذلك يواصل إنتاج خطاب هجومي ضد الصين وضد المؤسسات الأمريكية التي يتهمها بأنها “سمحت” بصعودها.

ومن هنا يصبح الإعلام الأمريكي نفسه جزءًا من المعركة. فالترامبية تقوم على نزع الشرعية عن الوسيط التقليدي، أي عن الصحافة والمؤسسات والخبراء، وإعادة بناء علاقة مباشرة بين الزعيم والجمهور. لذلك يحرص ترامب باستمرار على تصوير الإعلام باعتباره خصمًا سياسيًا لا ناقلًا محايدًا للوقائع.

وفي هذا السياق، تصبح عبارات مثل:

  • “الإعلام الكاذب”،
  • و“نيويورك تايمز الفاشلة”،
  • و“صحيفة الصين وول ستريت”،
    جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض الثقة بالمؤسسة الإعلامية التقليدية، وتحويل أي نقد يواجهه ترامب إلى دليل إضافي -في نظر أنصاره- على فساد “النظام الذي يعارضهم” بأكمله.

لكن الأهم أن هذه الظاهرة تكشف تحولًا أعمق في طبيعة السياسة الدولية نفسها.
فالصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مجرد تنافس جيوسياسي تقليدي، بل أصبح أيضًا صراعًا على تفسير العالم ذاته:

  • من يعرّف العولمة؟
  • من يتحكم في السردية الاقتصادية؟
  • من يملك تفسير أسباب تراجع الطبقة الوسطى الأمريكية؟
  • ومن يتحمل مسؤولية انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي شرقًا؟
    في هذا المشهد، تتحول الصين إلى “أداة سياسية داخلية” بنفس القدر التي هي عليه كخصم خارجي.

أما بكين، فهي تدرك بدورها طبيعة هذا التحول. فالصين تعلم أن ترامب، رغم خطابه العدائي، يتعامل بمنطق الصفقات أكثر من منطق المواجهة العقائدية. كما تدرك أن خطابه التصعيدي لا يعني دائمًا الرغبة في التصعيد الفعلي، وإنما قد يكون جزءًا من إدارة التفاوض وتحسين الموقع التفاوضي الأمريكي.

ولهذا تبدو العلاقة الأمريكية–الصينية في المرحلة الحالية أقرب إلى “التنافس التفاوضي” منها إلى الحرب الباردة التقليدية.
تنافس حاد، نعم، لكنه لا يمنع:

  • التفاهمات الاقتصادية،
  • والصفقات المرحلية،
  • ومحاولات ضبط التصعيد.
    الخلاصة أن تغريدة ترامب الأخيرة تكشف حقيقة مهمة في السياسة الأمريكية المعاصرة تتمثل في أن المعركة الكبرى لم تعد فقط بين واشنطن وبكين، بل داخل الولايات المتحدة نفسها.

إنها معركة على:

  • تعريف الحقيقة،
  • وتحديد العدو،
  • وامتلاك السردية،
  • والسيطرة على وعي الجمهور.

وفي هذه الحرب الجديدة، لم تعد الصين مجرد دولة منافسة، بل أصبحت جزءًا من اللغة السياسية الأمريكية ذاتها، وجزءًا من الانقسام الداخلي الذي يعيد تشكيل الولايات المتحدة من الداخل بالقدر ذاته الذي يتم خلاله تشكيل النظام الدولي من الخارج.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى