رأي

لماذا يُعدّ التحالف غير الرسمي بين خصوم الولايات المتحدة خطيراً للغاية؟

Thomas Wright – “فورين أفيرز”:

مجلة “فورين أفيرز” ترى أن التقارب المتزايد بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية بات يشكل تحدياً استراتيجياً متصاعداً للولايات المتحدة.

رأت مجلة “فورين أفيرز” أن التقارب المتزايد بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية بات يشكل تحدياً استراتيجياً متصاعداً للولايات المتحدة، رغم غياب تحالف رسمي يجمع هذه الدول، معتبرةً أن شبكة التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي التي تطورت بينها أوجدت محوراً مرناً قادراً على تبادل الموارد والخبرات، وتحدي العقوبات الغربية، ما عزز قدراتها الجماعية وقوّض النفوذ الأميركي.

وذكرت المجلة أن الخصوم الـ 4 الرئيسيين للولايات المتحدة وجّهوا رسالةً واضحةً خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ قام الرئيس الصيني شي جين بينغ في حزيران/يونيو، بأول رحلة دولية له عام 2026 إلى كوريا الشمالية، حيث اتفق مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على توسيع تعاونهما دون التطرق إلى نزع السلاح النووي.

وجاءت زيارة شي بعد أسابيع قليلة من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرسمية الـ 25 إلى الصين، حيث وقّع مع شي 20 اتفاقية مختلفة شملت التجارة والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي، بحسب المجلة، بينما ظهرت تقارير إخبارية تُفصّل كيف قدّمت بكين وموسكو دعماً غير مباشر لإيران في حربها ضد “إسرائيل” والولايات المتحدة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية للقوات الأميركية في المنطقة، ووقود الصواريخ، وطائرات مسيّرة متطورة.

وأكدت المجلة أن هذه الدول الـ 4 (الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا) لا تربطها تحالفات رسمية، لكنها تتقارب وتدعم بعضها البعض بشكل متزايد، ما يُغيّر موازين القوى بشكل ملموس ويُشكّل تحدياً للولايات المتحدة وحلفائها.

وذكرت المجلة أن غياب كتلة رسمية تجمع بين الدول الـ 4 لا يعني ضعف التعاون، وإنما قد يكون التعاون الثنائي هو ما يجعله فعالاً، فقد تعاونت هذه الدول في التكامل العسكري، ونقل التكنولوجيا، والتعلم المتبادل، على نحو يفوق معظم الشراكات الاستبدادية السابقة.

كذلك، اعتبرت المجلة أنه يمكن التفاوض على الترتيبات الثنائية بين خصوم واشنطن اليوم بسرعة أكبر، ويسهل إخفاؤها أو إنكارها، وهي أكثر ملاءمة للاحتياجات الاستراتيجية المباشرة لكل طرف مقارنةً بالتحالفات الاستبدادية الرسمية التقليدية، إذ يشير التاريخ إلى أن التحالفات الاستبدادية غالباً ما أثبتت هشاشتها وعدم موثوقيتها عند إضفاء الطابع الرسمي عليها، لا سيما عندما تضم أكثر من دولتين.

وبذلك، توصّلت “فورين أفيرز” إلى أن التحدي الذي يواجه واشنطن لا يكمن في تحديد ما إذا كان “محور استبدادي” جديد قد ظهر، فهو لم يظهر بعد، بل إنما فيما إذا كانت شبكة تعاون عسكري وتكنولوجي وسياسي، وإن كانت أقل تماسكاً، قادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية تضاهي أو حتى تتجاوز تأثير التحالف الرسمي، ويبدو أن الإجابة تتجه نحو الصواب.

وعليه، لن تتمكن الولايات المتحدة من تفكيك هذا التحالف، بحسب المجلة.

علاقات استراتيجية
وعن العلاقات بين الدول الـ 4، ذكرت المجلة أنها اتسمت دائماً بالعداء تجاه الولايات المتحدة، إلا أنها لم تشهد تعاوناً حقيقياً إلا منذ عام 2022، إذ كان الدافع الرئيسي وراء ذلك هو الحرب الروسية في أوكرانيا في ذلك العام، والذي أعقبه فرض عقوبات قاسية على موسكو واستنزاف سريع لمخزوناتها من الأسلحة الرئيسة.

وعليه، ومع ازدياد حاجة روسيا إلى الدعم العسكري الخارجي، أصبحت أكثر استعداداً لتبادل تقنياتها العسكرية المتقدمة وخبراتها العملياتية للحصول عليه.

وتحدّثت المجلة عن تقديم كوريا الشمالية دعماً لروسيا بحلول عام 2023، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، بالتوازي مع بروز إيران شريكاً استراتيجياً لروسيا، إذ يتعاون الطرفان في تمويل وتصنيع طائرات مسيّرة.

أما عن الصين، فلم تُقدّم أسلحة مباشرة لروسيا، لكن دعمها كان لا غنى عنه لمجهود موسكو الحربي، بحسب المجلة، ما مكّن موسكو من إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية بوتيرة أسرع بكثير مما كان ممكناً لولا ذلك، فصارت الصين بذلك الركيزة الاقتصادية والصناعية لإعادة بناء الجيش الروسي.

بدورها، قدمت روسيا لشركائها مساعدات تكنولوجية وعسكرية من شأنها أن تُغير موازين القوى الإقليمية تغييراً جوهرياً، وفقاً للمجلة.

للتخفيف من العقوبات الغربية
وذكرت المجلة أن التعاون بين الدول يأتي بهدف التخفيف من وطأة العقوبات الغربية والحد من عزلتها الاستراتيجية، إذ يعزز الإنتاج المشترك للأسلحة، ونقل التكنولوجيا، وتكامل سلاسل التوريد، هذه المرونة.

وفي الوقت نفسه، توفر مؤسسات مثل مجموعة “البريكس” ومنظمة “شنغهاي” للتعاون قنوات دبلوماسية تُمكّن هذه الدول من إضفاء الشرعية تدريجياً على ترتيبات سياسية واقتصادية بديلة تتشكل خارج نطاق المؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة، والنتيجة التراكمية هي نظام بيئي أمني وصناعي موازٍ أقل عرضةً للضغوط القسرية من الولايات المتحدة.

وأكدت المجلة أن عدم ظهور هذا التعاون بشكل رسمي لا يُبرر الاستهانة به، إذ يصعب تصور كيف سيكون للتعاون بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا أثرٌ أكبر لو تحوّل إلى محور رسمي على غرار التحالفات التاريخية، إذ تعمل الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا بنشاط على تعزيز قدرات بعضها البعض، وتتبادل المزيد من الموارد والخبرات.

وأشارت المجلة إلى اتسام العلاقات الشخصية في الصين وروسيا اليوم بالعمق، فقد التقى شي وبوتين أكثر من 40 مرة، وأظهرا التزاماً راسخاً بالعمل معاً، بما في ذلك ما يسميانه “شراكة بلا حدود”.

ولم تنفِ المجلة وجود توترات بين الدول الـ 4، ولكن الالتزام والتعاون بينهما يحفّز وجود القدرة على معالجة نقاط التوتر في العلاقات، والحد منها قدر الإمكان، وضمان عدم عرقلتها لتحالف أوسع.

التأثير على المصالح الأميركية
هذا التحالف، وفقاً لـ “فورين أفيرز”، يؤثر على مصالح الأمن القومي الأميركي بعدة طرق، فمن المرجح أن تؤدي الحروب في منطقة ما، التي تشارك فيها إحدى هذه القوى الأربع، إلى تدخل القوى الأخرى بشكل غير مباشر، كما فعلت الصين وإيران وكوريا الشمالية في الحرب الأوكرانية، وكما فعلت الصين وروسيا في إيران.

وعليه، إن عمليات نقل التكنولوجيا التي تشارك فيها هذه الدول لديها القدرة على تغيير موازين القوى الإقليمية ضد الولايات المتحدة، ما يجعل من الصعب على واشنطن وحلفائها “عزل خصومهم” من خلال العقوبات.

وإذا بقيت القيادة الحالية في السلطة في كل من هذه الدول، فإن فرص واشنطن في تفكيك هذا التحالف ضئيلة للغاية، بحسب المجلة التي اعتبرت أن على الولايات المتحدة الاستعداد للتعامل مع تبعات هذا التحالف.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى