
حسين زلغوط, خاص – “رأي سياسي”:

لم يكن كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في معرض إشادته بمواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، مجرد موقف بروتوكولي أو مجاملة سياسية عابرة، بل جاء محمّلًا برسائل متعددة الاتجاهات، عكست حرصًا على تثبيت قواعد الاشتباك السياسي في مرحلة تتسم بحساسية استثنائية. فحين قال إن الرئيس بري وضع خطين أحمرين أساسيين يتمثلان بمنع الفتنة ومنع المساس بالجيش، وأن الجميع متفق على هذين الأمرين، وأن كل ما عدا ذلك يبقى متاحًا في السياسة، بدا وكأنه يوجه تحيةً سياسيةً واضحةً لرئيس المجلس، ويمنح مواقفه صفة الإجماع الوطني.
هذا الموقف يكتسب أهميةً خاصةً لأنه يصدر عن رئيس الجمهورية، الذي يحرص منذ انتخابه على التأكيد أن أولويته تتمثل في حماية الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، إلى جانب الحفاظ على السلم الأهلي. ومن هنا، فإن التقاطع مع الرئيس بري لم يأتِ من باب التوافق الظرفي، بل من قناعة بأن لبنان، في ظل ما يحيط به من تحديات وضغوط، لم يعد يحتمل أي مغامرة داخلية قد تفتح الباب أمام الفوضى أو تهدد ما تبقى من عناصر الاستقرار.
ولعل اللافت في كلام الرئيس عون أنه رسم بوضوح الحدود الفاصلة بين ما هو ثابت وما هو متغير. فالاختلافات السياسية، مهما اشتدت، تبقى جزءًا طبيعيًا من الحياة الديمقراطية، ويمكن أن تتخذ أشكالًا متعددةً داخل المؤسسات الدستورية، لكن المساس بالجيش أو الانزلاق نحو الفتنة يبقيان خارج أي نقاش أو مساومة. إنها معادلة تختصر رؤية الرجلين لإدارة المرحلة المقبلة، حيث تبقى الأولوية لحماية الدولة قبل أي اعتبار آخر.
إن هذه الإشادة تحمل دلالاتٍ تتجاوز مضمونها المباشر، إذ تعكس وجود مساحة تفاهم بين بعبدا وعين التينة حول العناوين الوطنية الكبرى، حتى وإن بقيت وجهات النظر متباينةً في ملفات أخرى. فالرئيس بري، المعروف بإدارته الهادئة للأزمات وسعيه الدائم إلى تدوير الزوايا، يجد في موقف رئيس الجمهورية تثبيتًا لنهجه القائم على إبقاء الخلافات السياسية تحت سقف المؤسسات، ومنع انتقالها إلى الشارع أو إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية.
أما الرئيس عون، فيبدو أنه يسعى إلى تكريس معادلة تقوم على الفصل بين التنافس السياسي وحماية ركائز الدولة. فالجيش بالنسبة إليه ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل يشكل الضمانة الأساسية لوحدة البلاد واستقرارها، فيما يمثل السلم الأهلي الشرط الأول لأي معالجة سياسية أو اقتصادية أو إصلاحية. ولذلك جاءت عبارته لتؤكد أن الإجماع الحقيقي يبدأ من حماية هذين الثابتين، فيما تبقى بقية الملفات قابلةً للنقاش والتفاوض والتجاذب.
وتكتسب هذه الرسائل أهميةً إضافيةً في ظل مناخ داخلي وإقليمي شديد التعقيد، حيث تتداخل الضغوط الأمنية والاقتصادية مع التطورات السياسية، ما يجعل الحاجة إلى خطاب مسؤول أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ومن هنا، فإن التوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب على هذين “الخطين الأحمرين” يشكل رسالة طمأنة إلى اللبنانيين بأن المؤسسات الدستورية لا تزال قادرة على إنتاج قواسم مشتركة تحمي البلاد من الانزلاق إلى المجهول.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن كلمات الرئيس جوزاف عون لم تكن مجرد ثناء على موقف الرئيس نبيه بري، بل حملت في طياتها ما يشبه الغزل السياسي الهادئ، القائم على الاعتراف بدور رئيس المجلس في ترسيخ معادلة الاستقرار الوطني. وهي معادلة تختصرها عبارة واحدة: يمكن للبنانيين أن يختلفوا في السياسة إلى أبعد الحدود، لكنهم يلتقون عند حماية الجيش وصون السلم الأهلي، لأنهما الركيزتان اللتان يقوم عليهما بقاء الدولة واستمرارها.




