افتتاحية اليوم: إسرائيل أمام أزمة تجنيد

لم تعد أزمة النقص البشري داخل الجيش الإسرائيلي تفصيلاً عسكرياً عابراً يمكن احتواؤه عبر إجراءات إدارية أو حملات تعبئة مؤقتة، على غرار ما كان يحصل في محطات سابقة، بل تحولت إلى واحدة من أخطر المعضلات الاستراتيجية التي تواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في ظل حرب طويلة ومتعددة الجبهات، تستنزف قدراتها البشرية والنفسية والاقتصادية في آن واحد.
فالإعلان عن عجز يُقدَّر بنحو 12 ألف جندي، بينهم آلاف المقاتلين، يكشف حجم المأزق الذي دخلته إسرائيل بعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية المتواصلة، ويعكس بصورة واضحة حدود القدرة على الاستمرار في إدارة حرب مفتوحة بلا أثمان داخلية متصاعدة.
المشكلة لا تتعلق فقط بالأرقام، بل بطبيعة هذا النقص وتوقيته. فالجيش الإسرائيلي يحتاج اليوم إلى قوات قتالية جاهزة، قادرة على الانتشار السريع في غزة والحدود الشمالية والضفة الغربية، إضافة إلى حماية الجبهة الداخلية. ومع اتساع رقعة الاستنزاف، بدأت تظهر فجوات حقيقية في الوحدات الميدانية، الأمر الذي يفرض على القيادة العسكرية إعادة الاستعانة بالجنود والاحتياط بوتيرة غير مسبوقة، ما ينعكس تراجعاً في الجهوزية وارتفاعاً في معدلات الإرهاق والانهيار النفسي.
وتزداد خطورة الأزمة مع الحديث عن تقليص مدة الخدمة العسكرية الإلزامية إلى ثلاثين شهراً، وهو خيار يبدو أقرب إلى محاولة تهدئة التوترات الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل، لكنه في المقابل يهدد بتوسيع فجوة النقص في القوات البشرية. فالجيش، الذي يعاني أساساً من تراجع أعداد المجندين وصعوبة استقطاب مقاتلين جدد، سيجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً إذا تقلصت سنوات الخدمة، خصوصاً في الوحدات القتالية والتقنية التي تحتاج إلى وقت طويل في التدريب والتأهيل.
هذه الأزمة، التي يتحدث عنها الإعلام الإسرائيلي منذ عدة أيام، تعكس أيضاً تحولات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فالحروب الطويلة أضعفت الحماسة للخدمة العسكرية، فيما بدأت قطاعات واسعة تنظر إلى الانخراط في القتال باعتباره عبئاً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً كبيراً. كما أن الخلافات الداخلية حول تجنيد المتدينين اليهود فاقمت الانقسام، بعدما باتت شرائح واسعة تعتبر أن عبء الحرب يقع على فئات محددة دون غيرها، ما يهدد إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها الجيش الإسرائيلي منذ تأسيسه، أي مفهوم “جيش الشعب”.
وفي خلفية هذا المشهد، تبدو إسرائيل أمام مأزق استراتيجي حقيقي. فالحروب المندلعة حالياً لا تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي أو سلاح الجو، بل تحتاج إلى قوة بشرية قادرة على السيطرة الميدانية وخوض معارك طويلة الأمد. ومع تصاعد الخسائر وتآكل القدرة على التعويض، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً داخل المؤسسة العسكرية: كيف يمكن خوض حروب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما يتراجع المخزون البشري القادر على القتال؟
والأخطر أن هذه الأزمة مرشحة للتفاقم لا للتراجع، خصوصاً إذا استمرت المواجهات في لبنان ومع إيران بوتيرتها الحالية. عندها قد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع غير مسبوق: جيش يمتلك أحدث الأسلحة والتكنولوجيا، لكنه يفتقر تدريجياً إلى العنصر البشري القادر على حمل عبء الحروب الطويلة.




