
يوسف فارس – الأخبار:
يتّسع الخلاف بين واشنطن وتل أبيب حول اتفاق غزة، فيما يراهن نتنياهو على تعطيل تنفيذه الكامل، تحت ضغط اليمين والمؤسسة الأمنية، رغم بدء ترتيباته ميدانياً وتراجع الغطاء الأميركي.
يبدو أن الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية حول اتفاق غزة لا يفتأ يتّسع، في وقت تمتنع فيه حكومة الاحتلال حتى الآن عن إقرار «خارطة الطريق» التي أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، توقيعها، وذلك رغم بدء دخول بعض الترتيبات المرتبطة بهذه الخارطة حيّز التنفيذ فعلاً. وفي مقابل الضغوط الأميركية والإقليمية المتزايدة على تل أبيب، أظهر اجتماع «الكابينت»، أول من أمس، أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يواجه ضغوطاً من داخل ائتلافه، وحتى من قلب المؤسسة الأمنية؛ لمواصلة الاغتيالات في قطاع غزة، وعدم التعامل مع الهدوء الحالي باعتباره بداية تنفيذ الاتفاق.
وبحسب «القناة 12»، سادت أجواء متوتّرة اجتماعَ «الكابينت»، بعدما اتهم وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، نتنياهو بالموافقة على تجميد الهجمات في القطاع. وقال بن غفير إن موقفه يقوم على أنه «يجب ألّا يمرّ يوم من دون عمليات اغتيال في غزة، وأن هذا ليس تكتيكياً، بل استراتيجية»، ليردّ عليه نتنياهو بسخرية حملت تلميحاً إلى ارتباط سقف مواقف الوزير بحساباته الانتخابية، قائلاً: «خلال التسعين يوماً المقبلة، لن يكون أيّ شيء تكتيكياً». ولم يقتصر التشدّد على بن غفير؛ إذ تبنّى رئيس جهاز «الشاباك»، دافيد زيني، أيضاً موقفاً مشابهاً، معتبراً أن «حماس» تسعى، عبر التوصّل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح مع «مجلس السلام»، إلى «احتواء وإعاقة إسرائيل»، ومنعها من اتّخاذ خطوات ضدّها خلال الأشهر المقبلة. ورأى زيني أن إعلان الحركة قبولها بخارطة طريق تتضمن نزع سلاحها يهدف إلى «إضاعة الوقت».
وتأتي هذه المواقف المتشدّدة من داخل المؤسّستَين السياسية والأمنية في الكيان، فيما تتقدّم على الأرض ترتيبات مرتبطة بـ«خارطة الطريق». إذ أفادت «القناة 15» الإسرائيلية، أول من أمس، بتوقيع اتفاق لإقامة أول موقع لـ«القوات الدولية» في غزة. وبحسب القناة، منح العقد الذي وقّعه «مجلس السلام»، شركة «أركل إنترناشيونال»، وهي شركة أميركية من ولاية لويزيانا سبق أن نفذت أعمالاً لمصلحة الإدارة الأميركية في دول بينها العراق، مهمّة «بناء القاعدة الجديدة داخل مناطق الخط الأصفر، على مسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر من الحدود الشرقية للقطاع». لكن، في الوقت عينه، لا تعني هذه الخطوات العملية أن إسرائيل ستوافق على الإطار السياسي والأمني المقترَح عليها كاملاً، حتى في ما يتعلّق بدخول القوة الكبيرة المتعدّدة الجنسيات إلى القطاع، والتي لا تزال من بين المسائل التي لم يقرّها «الكابينت».
تتقدّم ترتيبات الاتفاق ميدانياً فيما يرفض نتنياهو إقراره كاملاً
في السياق نفسه، فجّر النصّ على هيئة جديدة في «خارطة الطريق»، هي «اللجنة الدولية للتحقّق»، خلافاً إضافياً داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، بعدما تبيّن أن إسرائيل لم تُستشر في تشكيلها. ويُفترض، بحسب الخطة، أن تشرف هذه اللجنة على عملية نزع سلاح «حماس»، فضلاً عن مراقبة ما يجري في غزة بصورة عامة. وكشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن إسرائيل «فوجئت وغضبت» بعدما تبيّن لنتنياهو ومساعديه أن قطر وتركيا يُفترض أن تكونا عضوَين في «لجنة التحقق»، مشيرةً إلى أن مسؤولين اعتبروا أن الدولتَين المذكورتَين تحاولان «الدخول من الباب الخلفي، وهذه المرّة عبر اللجنة الجديدة».
وبموازاة الخلافات الداخلية الإسرائيلية، والتي تتداخل معها حسابات الموسم الانتخابي الحافل، تتزايد الضغوط الخارجية على حكومة نتنياهو. إذ صدر بيان مشترك عن قطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية ومصر، دان بصورة علنية وصريحة «تعمّد إسرائيل عرقلة اتفاق السلام في غزة». كما أجمع وزراء خارجية مصر وتركيا وقطر على أن «حماس» أوفت بما عليها، في مقابل «عدم التزام إسرائيل باستحقاقات الاتفاق ومواصلتها سياسة التعطيل والمماطلة».
أمّا المؤشر الأبرز إلى عمق الأزمة مع واشنطن والعواصم المنضوية في إطار خطّتها لـ«السلام»، فتمثّل في إيفاد نتنياهو وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق، رون ديرمر، إلى واشنطن، للقاء مسؤولين في الإدارة، في محاولة لتخفيف التوتر وتسوية الخلاف بشأن اتفاق غزة. ونقلت صحيفة «هآرتس» عن مصادرها أن «مهمّة ديرمر تتمثّل في معالجة الأزمة التي اندلعت مع الولايات المتحدة إثر التحفّظات الإسرائيلية على اتفاق غزة». وبحسب الصحيفة، أثارت إسرائيل غضب الإدارة الأميركية بعدما قدّمت تحفّظاتها في «مرحلة متأخّرة جداً»، أي بعد التوصل إلى الاتفاق، رغم اطّلاعها طوال أشهر على الإطار الذي عُرض على حركة «حماس».
وبذلك، تبدو حكومة نتنياهو وقد خسرت جزءاً من الغطاء السياسي الذي أتاح لها هامشاً واسعاً في إدارة الحرب، من الصمت العربي والإسلامي إلى الاحتضان الأميركي الكامل. ويشير الموقف المشترك للدول الثماني، إلى جانب الأزمة مع واشنطن، إلى تضييق هامش المناورة أمام الحكومة الإسرائيلية، في وقت يزداد فيه التناقض بين تقدّم بعض الإجراءات العملية المرتبطة بالاتفاق، ورفض إسرائيل إقراره كاملاً. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن نتنياهو سيحاول الالتزام بالقشور الخارجية، وفي مقدّمها وقف الاغتيالات والتحسين النسبي للأوضاع الإنسانية في القطاع، من دون الذهاب إلى توقيع فعلي يفضي إلى الانسحاب من غزة، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.




