
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

عاد الحديث عن ضرورة التفاهم السعودي – الإيراني ليتصدر المشهد السياسي اللبناني في لحظة شديدة الحساسية، مع استمرار التصعيد العسكري في الجنوب، واتساع المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود لبنان. وفي هذا السياق، يبرز الكلام على لسان أكثر من مسؤول سياسي، وفي مقدمتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن أن أي استقرار داخلي حقيقي لن يكون ممكناً من دون تفاهم إقليمي واسع يخفف حدة الاشتباك السياسي، ويعيد إنتاج توازنات أكثر هدوءاً في المنطقة.
المواقف التي تدعو إلى تسوية بين الرياض وطهران تعكس اقتناعاً متزايداً لدى قوى لبنانية عديدة بأن الأزمة اللبنانية لم تعد محصورة بعوامل داخلية فقط، بل باتت مرتبطة مباشرة بالصراع الإقليمي والدولي الدائر فوق الأراضي اللبنانية ومن حولها. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والطائفية، ظل تاريخياً ساحةً تتقاطع فيها المصالح الخارجية، فيما تتحول الانقسامات الداخلية سريعاً إلى امتدادات لصراعات أكبر.
من هنا، تبدو الدعوة إلى تفاهم سعودي – إيراني بمثابة محاولة لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك السياسي في المنطقة، ومنع انزلاقها نحو الفوضى الشاملة. فالسعودية تمثل ثقلاً عربياً وإسلامياً وسياسياً كبيراً، فيما تشكل إيران لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط، وأي تقارب بينهما ينعكس تلقائياً على ساحات التوتر في المنطقة.
واللافت أن الحديث عن هذا النوع من التسويات يأتي في وقت يشعر فيه اللبنانيون بأن دولتهم باتت عاجزة عن احتواء الأزمات المتلاحقة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي. فالانقسام الداخلي الحاد يجعل لبنان أكثر هشاشة أمام أي تطور إقليمي، فيما تتزايد المخاوف من أن يتحول الجنوب إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، مع ما يرافق ذلك من دمار ونزوح وخسائر اقتصادية هائلة.
وفي خلفية المشهد، تبدو المواجهة الإقليمية أكبر من مجرد صراع حدودي أو أمني. فالمنطقة تشهد إعادة رسم لموازين القوى، وسط تنافس أميركي – إيراني محتدم، ومحاولات إسرائيلية لتغيير قواعد الردع، بالتوازي مع تحولات عربية واسعة تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية. وفي خضم هذه التحولات، يدفع لبنان ثمن موقعه الحساس وضعف بنيته الداخلية.
أما الحديث عن “وكلاء” الخارج، فهو يعكس حجم الانقسام القائم داخل المنطقة بين محورين متصارعين، أحدهما مدعوم من الولايات المتحدة وحلفائها، والآخر تقوده إيران مع حلفائها الإقليميين. وبين هذين المحورين، يجد لبنان نفسه عالقاً في قلب المواجهة، حيث تتحول الساحة الداخلية إلى مرآة للتجاذبات الإقليمية، فتتعطل التسويات المحلية وتتراجع فرص الاستقرار.
ومع ذلك، فإن الرهان على تفاهم سعودي – إيراني لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح معبّداً نحو الحلول. فالتجارب السابقة أظهرت أن أي تهدئة إقليمية تحتاج إلى إرادة دولية موازية، كما تحتاج إلى استعداد داخلي لبناني للاستفادة من المناخات الإيجابية، إذ لا يمكن لأي تفاهم خارجي أن ينتج استقراراً دائماً ما لم تتوافر إرادة لبنانية حقيقية لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وإخراج البلاد من منطق المحاور والصراعات المفتوحة.
لكن، رغم كل التعقيدات، يبقى واضحاً أن لبنان يقف اليوم عند مفترق بالغ الخطورة. فإما أن تنجح المنطقة في إنتاج تسويات تخفف منسوب النار المشتعلة، وإما أن يبقى البلد أسير التوترات الكبرى، يدفع أثمان الحروب السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تتجاوز قدرته على الاحتمال.




