خاصأبرزرأي

العفو العام يسقط أمام جدار الإنقسام الطائفي

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

مرة جديدة، سقط اقتراح قانون العفو العام في فخ الانقسام اللبناني، بعدما كان يُفترض أن تشكل الجلسة النيابية، التي كان مقرراً انعقادها اليوم، محطة مفصلية لإقرار قانون طال انتظاره، يحمل في جوهره أبعاداً إنسانية وقضائية واجتماعية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.

لكن ما حصل في الساعات الأخيرة، من توتر في الشارع وخطابات تحريضية ذات طابع طائفي ومذهبي، دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تأجيل الجلسة النيابية إلى موعد آخر تحت عنوان عريض اسمه “التوافق”، في إشارة واضحة إلى أن البلاد ما زالت عاجزة عن إنتاج تفاهم وطني حتى في القضايا التي تمس العدالة وحقوق الإنسان.

إن اقتراح قانون العفو العام لم يأتِ من فراغ، بل انطلق من واقع قضائي وسجني مأزوم بات يشكل فضيحة مستمرة في دولة يُفترض أنها تقوم على مبدأ سيادة القانون. آلاف الموقوفين في السجون اللبنانية ينتظرون منذ سنوات صدور أحكامهم، فيما تتكدس الملفات أمام المحاكم نتيجة البطء القضائي، والنقص في الإمكانات، والشلل الإداري الذي أصاب معظم مؤسسات الدولة. ومن هنا، جاء الحديث عن تخفيض بعض العقوبات بصورة استثنائية، أو إصدار عفو ضمن ضوابط محددة، كجزء من محاولة لإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة، لا باعتباره انتقاماً، بل بوصفه ضمانة لحرية الأفراد وركناً أساسياً من أركان الدولة القانونية.

غير أن المسار الذي سلكه النقاش حول العفو العام كشف مرة جديدة هشاشة البنية الوطنية اللبنانية، حيث تحولت القضية من نقاش قانوني وإنساني إلى مادة للتجييش السياسي والطائفي. فبدلاً من مقاربة الملف من زاوية إصلاح الخلل القضائي وإنهاء معاناة الموقوفين وعائلاتهم، جرى استحضار الحسابات الفئوية، وتبادل الرسائل السياسية في الشارع، وصولاً إلى نزول مواطنين إلى الشارع في أكثر من منطقة، رافقتها لغة تحريضية أعادت إلى الأذهان مناخات الانقسام التي لم تغادر الحياة اللبنانية يوماً.

واللافت أن اللجان النيابية المشتركة كانت قد أقرت، الثلاثاء الفائت، صيغة وسطية ترضي مختلف القوى، عبر إدخال تعديلات واستثناءات تهدف إلى تحقيق توازن بين مقتضيات العدالة ومقتضيات الاستقرار الاجتماعي. لكن التجربة اللبنانية أثبتت مجدداً أن أي ملف حساس، مهما كانت خلفياته إنسانية أو إصلاحية، يبقى رهينة التوازنات الطائفية والسياسية، وأن غياب التوافق كفيل بإسقاط أي تسوية مهما بدت ناضجة.

وفي الواقع، فإن تأجيل رئيس المجلس الجلسة لم يكن مجرد خطوة إجرائية، بل عكس خشية سياسية واضحة من انفجار الشارع أو تحوّل الجلسة إلى ساحة مواجهة سياسية وطائفية مفتوحة. لذلك جاء القرار بترحيل البحث في اقتراح قانون العفو العام إلى موعد آخر، بانتظار نضوج تفاهم أوسع يضمن تمريره بأقل قدر من الاعتراضات والانقسامات. إلا أن هذا التأجيل يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مصير القانون نفسه، وما إذا كان سيبقى رهينة التجاذبات إلى أجل غير معلوم، كما حصل مع عشرات الملفات الإصلاحية الأخرى.

كما كشف المشهد حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة اللبنانية، حيث بات أي استحقاق داخلي يحتاج إلى توافق مسبق يفوق أحياناً النصوص الدستورية والمؤسسات الرسمية. فالدولة التي يُفترض أن تحكمها القوانين تحولت عملياً إلى دولة تسويات، لا يُمرَّر فيها أي قرار إلا بعد تأمين الغطاء السياسي والطائفي الكامل له، حتى لو تعلق الأمر بمعالجة أزمة إنسانية داخل السجون.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الأزمة أبعد من مجرد قانون عفو عام. إنها أزمة ثقة بين اللبنانيين أنفسهم، وأزمة نظام عاجز عن إنتاج حلول مستقرة خارج منطق المحاصصة والانقسام.

أما الموقوفون وعائلاتهم، فقد وجدوا أنفسهم مرة جديدة ضحايا التأجيل والتجاذب، فيما بقيت العدالة معلّقة بين نصوص القانون وحسابات السياسة.

وهكذا، رحل اقتراح قانون العفو العام مع غياب التوافق، ليسقط مرة أخرى أمام جدار الانقسام اللبناني، في بلد يبدو فيه الاتفاق أصعب من أي قانون، والتوافق شرطاً يسبق العدالة نفسها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى