افتتاحية اليوم: موسم الصيف على حافة الضياع

مع اقتراب عيد الأضحى، تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية من أن يضيع على لبنان موسم الصيف، الذي يُنظر إليه كل عام باعتباره نافذة الأمل الأخيرة لإنعاش الاقتصاد وضخ العملة الصعبة في الأسواق. فالبلاد التي أنهكتها الأزمات المتلاحقة، من الانهيار المالي إلى الحرب الإسرائيلية التي لا تزال مستمرة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية: إما صيف ينعش القطاعات الحيوية ويخفف من وطأة الركود، وإما موسم ضائع يفتح الباب واسعًا أمام موجة انهيار جديدة قد تكون أكثر قسوة من سابقاتها.
عادةً يُعوَّل على أشهر الصيف لتحريك العجلة الاقتصادية عبر قدوم المغتربين والسياح العرب والأجانب، وما يرافق ذلك من انتعاش في قطاعات الفنادق والمطاعم والأسواق التجارية والنقل والخدمات. غير أن الصورة هذا العام تبدو شديدة الهشاشة، في ظل استمرار القلق الأمني جنوبًا، والتوتر السياسي الداخلي، إضافة إلى غياب أي مؤشرات فعلية على استقرار اقتصادي أو إصلاحات مالية تعيد الثقة المفقودة.
والقلق لا يقتصر على القطاع السياحي فحسب، بل يمتد إلى مجمل الحياة الاقتصادية. فالمؤسسات التجارية التي صمدت بصعوبة خلال السنوات الماضية تراهن على موسم الصيف لتأمين الحد الأدنى من الاستمرارية، بينما يخشى أصحاب الفنادق والمطاعم من أن تؤدي التطورات العسكرية الناجمة عن الحرب إلى إلغاء الحجوزات وتراجع الحركة الوافدة، ما يعني خسارة مورد حيوي تحتاجه البلاد بشدة.
وفي الأسواق، قبل أسبوع من حلول العيد، تبدو الحركة التجارية أقل من المتوقع، مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. فالأسر اللبنانية التي استنزفتها الأزمات باتت عاجزة عن مجاراة الغلاء، فيما تتآكل الرواتب أمام ارتفاع كلفة المعيشة. وهذا الواقع ينعكس مباشرة على الحركة الاقتصادية التي فقدت زخمها، حتى في المواسم التي كانت تشكل سابقًا فرصة لتحريك الأسواق.
وفي هذا السياق، يحذر اقتصاديون من أن خسارة موسم الصيف لن تكون مجرد انتكاسة عابرة، بل قد تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل كبير على التدفقات المالية الخارجية والتحويلات والسياحة. وفي حال تراجع هذه الموارد، فإن الضغط سيزداد على سعر صرف الليرة، وقد تعود الأسواق إلى دوامة الفوضى النقدية وارتفاع الأسعار بصورة أكبر.
إن ما تقدم يؤشر إلى أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق دقيق، وصيفه المقبل لم يعد مجرد موسم سياحي، بل فرصة مصيرية قد تحدد اتجاه البلاد بين التعافي التدريجي أو السقوط مجددًا في هاوية الانهيار.




