الدولار المحاصر في مضيق هرمز، والضغط الجنوبي على المنظومة المالية الدولية

إبراهيم علوش – الميادين:
الاقتصاد الأميركي، والدولار، ومعدلات الفائدة الأميركية، ومعها عالم المالية الدولية، أصبح كله محاصراً في مضيق هرمز.
يمر عبر مضيق هرمز خُمس واردات العالم من النفط، من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران؛ وخُمس وارداته من الغاز المسال، وخصوصاً من قطر والإمارات؛ نتحدث هنا عن 11 مليون برميل من النفط، و140 مليار متر مكعب من الغاز يومياً.
تمر عبر المضيق أيضاً 43% من واردات اليوريا، و25% من واردات الأمونيا، وكلاهما سماد زراعي معتمد على النيتروجين، يُعد ضرورياً جداً لمحاصيل أساسية مثل القمح والذرة والأرز، وبالتالي للأمن الغذائي عالمياً.
أضف إلى ذلك أن تكلفة تصنيع الأسمدة المعتمدة على النيتروجين تعتمد بنسبة 80% على الغاز الطبيعي، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الغاز وبدائله يرفع أسعار الأسمدة الزراعية بصورة مستقلة.
كذلك، بحسب تقرير نشر في موقع “المنتدى الاقتصادي العالمي”، المعروف باسم منتدى دافوس، في 1/4/2026، فإن معادن مهمة تمر عبر مضيق هرمز أيضاً، بعيداً عن تلك المرتبطة بالأسمدة الزراعية، ومنها:
الكبريت، المعروف باسم sulfur، والذي تمر نصف تجارته البحرية دولياً عبر مضيق هرمز. وهو المادة المستخدمة في صناعة حمض الكبرتيتيك Sulfuric Acid، الضروري لعمليتين صناعيتين مهمتين جداً في زماننا هما: 1) كيمياء البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية وخلايا الطاقة المتجددة، 2) إنتاج الفوسفور الصناعي من الفوسفات، كسماد زراعي أيضاً.
ومن المعروف أن المكونات الأساسية للأسمدة الزراعية ثلاث: النيتروجين، الذي سبق ذكره، والفوسفور، والبوتاسيوم. لكنّ أهم منتجي الفوسفات في العالم هي الدول الآتية على التوالي: الصين، المغرب، الولايات المتحدة، روسيا، الأردن، والسعودية. ونلاحظ أن هناك 3 دول عربية في قائمة المنتجين الستة الأوائل.
يُلاحظ، إذاً، أن إنتاج أول مكونين في الأسمدة الزراعية، وهما النيتروجين والفوسفور، يعتمد على مدخلات أساسية من الوطن العربي تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الغذائي عالمياً.
نتابع مع تقرير منتدى دافوس عن المعادن التي تمر عبر مضيق هرمز، لنجد أن ثلث تجارة مادة الميثانول المنقولة بحراً تمر عبره. ويعد الميثانول مهماً في صناعة البلاستيكيات والدهانات والألياف الاصطناعية.
ومن خلال بحث مستقل نجد أن السعودية أحد أهم منتجي هذه المادة عالمياً، من خلال شركة “سابك”، وإيران من خلال شركة “زاغروس”.
خارج السياق الهرمزي المباشر، نجد شركة كندية اسمها Methanex تنتج الميثانول في مصر، وشركة مسجلة في سويسرا، اسمها Proman، تنتجه في عُمان.
بالعودة مجدداً إلى تقرير منتدى دافوس عن المعادن التي تمر عبر هرمز، ثمة إشارة إلى مادة الغرافيت، المستخدمة في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، وهي مادة تعتمد على فحم الكوك النفطي، الذي ينتج من رواسب تكرير النفط. وهذه المادة تعطل شحنها عبر مضيق هرمز أيضاً.
هناك أيضاً مادة الألمنيوم، والتي تنتج دول الخليج 9% منها عالمياً، وهي مادة ضرورية في قطاعات الإنشاءات والنقل والطاقة المتجددة.
هناك أيضاً مادة الهيليوم، التي نحصل عليها كمنتج فرعي من معالجة الغاز الطبيعي. وتنتج قطر ثُلثُ هذه المادة عالمياً، وهي مادة أساسية في تصنيع أشباه الموصلات، وفي تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي MRI.
هناك أيضاً مادة غليكول Glycol، وهي مادة مهمة في تصنيع ألياف البوليستر (في الألبسة وغيرها)، وفي تصنيع الأواني البلاستيكية والصوف الاصطناعي والسجاد. وهي مادة جرى تصدير 6.5 مليون طن منها عبر هرمز سنة 2025. وتعد شركة “سابك” السعودية أحد أهم منتجيها عالمياً.
هناك أيضاً خامة الحديد عالي الجودة، وخامة الفولاذ، وتعد إيران منتجاً رئيساً لخامة الحديد، في حين تعالج عُمان والبحرين والسعودية خامة الحديد عالي الجودة لإنتاج خامة الفولاذ للتصدير عالمياً أو للاستخدام خليجياً.
سبَّبَ إغلاق مضيق هرمز، بالتالي، أو انخفاض الانسيابية عبره، صدمات متلاحقة، رافعاً الأسعار عالمياً، وكاشفاً أهمية ما يتدفق عبره إلى شرايين الاقتصاد الدولي من حوامل طاقة وأسمدة ومعادن حيوية، وبالتالي أهمية منطقتنا من منظور جيواقتصادي، موقعاً ومواردَ.
لكنْ، دعونا لا ننسى، في المقلب الآخر، أن السلع الأساسية في العالم ما زالت تُسعّر بالدولار الأمريكي، وأن ذلك ينطبق على النفط والغاز والفحم، وعلى المعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم، والمعادن الأساسية، مثل النحاس والألمنيوم والنيكل والزنك وخامة الحديد، وعلى المنتجات الزراعية، مثل القمح والأرز والذرة والقهوة والسكر وغيرها.
لا تسعّر كل هذه السلع دولياً بالدولار فقط، بل يتحدد سعرها السائد في السوق، في العموم، في بورصات عالمية تجري فيها مضاربات في المديين الآني والطويل. ويقع أهم تلك البورصات في شيكاغو ونيويورك وأتلانتا، وفي لندن، وفي بلدان أخرى حول العالم، من الصين (وهونغ كونغ) إلى اليابان إلى الهند إلى سنغافورة إلى دبي.
تمثل تلك البورصات أحد أهم معالم سيطرة رأس المال المالي الدولي على المواد الخام وحوامل الطاقة والمواد الغذائية في زماننا، وكل ما يعتمد إنتاجه على تلك المدخلات من سلعٍ وخدمات، أي أنها تمثل، بتعبير أبسط، أحد أهم معالم سيطرة الورق على الإنتاج الملموس وسلاسل إمداده، وبالتالي تمثل أحد أهم معالم تحكم رأس المال الربوي والمضارِب (أي المقامِر) بمصائر بلدان وشعوب واقتصادات بأسرها.
يُشار في هذا السياق إلى أن الصين افتتحت عدداً من البورصات في شنغهاي للمتاجرة بالعقود الآجلة في النفط الخام وخامة الحديد والنحاس والذهب، باليوان. وهذا تطور يساعد في كسر احتكار الدولار الأمريكي على التجارة الدولية، لكنه تطور ما زال في مراحله الجنينية الأولى في الصورة الكبيرة.
يُشار أيضاً إلى أن إيران مثلاً تبيع القسم الأكبر من صادراتها النفطية باليوان الصيني، وأحياناً باليورو والروبية الهندية أو الروبل الروسي أو الدرهم الإماراتي.
كذلك، تُجري كوريا الديموقراطية تجارتها الخارجية بعملات غير الدولار، على رأسها اليوان.
لكنّ المراجع المتوافرة تشير أن 80% إلى 90% من تجارة السلع بالعقود الآجلة في البورصات العالمية ما زالت تجري بالدولار الأمريكي، الأمر الذي يمنح الدولار، ومعه النخب الأمريكية الحاكمة، صفة الهيمنة، كإمبريالية كبرى تمارس سطوتها حتى على الإمبرياليات الصغرى، لا على الجنوب العالمي فحسب.
وما زال الدولار الأمريكي، كذلك، أحد طرفي تبديل العملة في 90% من صفقات العملات الأجنبية عالمياً، أو 89.2% تحديداً.
وتجري حلقة التأثير بين الدولار وأسواق العقود الآجلة بالسلع باتجاهين، أي أنه تأثير متبادل. ومن هنا يؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية دولياً، كما يؤدي ارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى ارتفاع سعر الدولار.
لذلك، أدى تعطل سلاسل إمداد حوامل الطاقة والأسمدة والمعادن عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل العملات الأخرى لأنها مسعّرة بالدولار الأمريكي، وهذا يعني أن الدول المستوردة لها عليها أن تشتري دولارات أمريكية أكثر لتغطية فاتورة مستورداتها منها.
العبرة أن الطلب الدولي على تلك السلع الأساسية غير مرن (بنسب متفاوتة)، الأمر الذي يعني أن ارتفاع سعرها 10% مثلاً يقلل الكمية المطلوبة منها أقل بكثير من 10%، وبالتالي تزداد مبيعاتها الإجمالية، والتي تساوي السعر مضروباً بالكمية المباعة أو المشتراة، وبالتالي يزداد الطلب على الدولار عند ارتفاع سعرها.
أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة من أهم مصدري النفط الخام ومشتقاته عالمياً، ومن أهم مصدري السلع الزراعية، فإذا ارتفع سعرها عالمياً، يزيد الطلب على الدولار الأمريكي لهذا السبب بصورة مستقلة.
رب قائل: وما المشكلة في ارتفاع سعر الدولار مقابل العملات الأخرى من المنظور الأمريكي؟ أليس ارتفاعه علامة قوة أمريكياً، وتثبيتاً لموقعه المهيمن عالمياً؟
على الرغم من أن ارتفاع الدولار ربما يبدو، من منظور أمريكي، أمراً حميداً للوهلة الأولى، أو في ظروف أخرى، لكنّ ارتفاعه نتيجة ارتفاع أسعار حوامل الطاقة والأسمدة والمعادن عالمياً، ونتيجة تعطل سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز تحديداً، يرسل سياسياً رسالة معاكسة بأن المتحكم بسعر الدولار بات إيران، لا النخب الحاكمة في الولايات المتحدة.
كما أن ارتباط إغلاق هرمز بأزمة في الاقتصاد الدولي، نتيجة نقص المدخلات، وفي التجارة الدولية، نتيجة ارتفاع أجور الشحن ورسوم التأمين على السفن واستطالة الخطوط البحرية، يجعل ارتفاعه علامة أزمة، لا علامة تعافي.
وهي أزمة تطال الداخل الأمريكي بكل قوة، لأنها تعني ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة بصورة متسارعة منذ بدء العدوان على إيران، من 2.4% في شهري كانون الثاني / يناير وشباط / فبراير، إلى 3.3% في شهر آذار / مارس، إلى 3.8% في شهر نيسان / إبريل، إلى 4.2% في شهر أيار / مايو، إلى 3.9% متوقعة في شهر حزيران / يونيو (لن تنشر الأرقام الرسمية حتى 14/7/2026).
وهي أرقام تنعكس معاناةً لدى المواطن الأمريكي، وبالتالي تنعكس في مدى رضاه عن رئاسة ترامب والحزب الجمهوري الحاكم قبيل جولة الانتخابات النصفية في 3/11/2026…
كما أن ارتفاع قيمة الدولار يؤذي الصادرات الأمريكية في الخارج، لأنها تصبح أغلى مقارنةً بغيرها، ولا سيما الصادرات المصنعة التي يوجد لها منافسون مثل الصين وغيرها، والتي يكون الطلب عليها أكثر مرونة من السلع الأساسية، وبالتالي تقل عوائدها عندما يرتفع سعرها، لأن الكمية المطلوبة منها تقل بنسبة أكبر من ارتفاع سعرها.
ويؤدي ارتفاع الدولار إلى انخفاض الإقبال على السياحة في الولايات المتحدة أيضاً، التي تصبح أغلى وأقل جاذبية مقارنةً بالسياحة في غيرها، بالنسبة للسياح الأجانب والأمريكيين، وهذا يغذي العجز الأمريكي المزمن في الحساب الجاري.
ويناقض هذا الأثر التراكمي توجه ترامب لتخفيض قيمة الدولار لزيادة الصادرات الأمريكية وتحسين العجز في الميزان التجاري.
كذلك، يؤذي ارتفاع قيمة الدولار المستثمرين الأمريكيين في الخارج، ولا سيما الشركات متعدية الحدود، والتي تصبح أرباحها أقل عند تحويلها إلى دولار، ويضر ذلك بقيمة أسهمها وبقيمتها الرأسمالية، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة.
تبرز هنا أسماء عمالقة في عالم التكنولوجيا والبرمجة تأتي معظم مبيعاتها من خارج الولايات المتحدة، مثل Apple وIBM وMicrosoft، والتي أبلغت عن انخفاضات في عوائدها بمليارات الدولارات نتيجة فروق أسعار الصرف مع ارتفاع الدولار الأمريكي. وهناك أيضاً شركات أمريكية تبيع منتجات استهلاكية، مثل Proctor & Gamble، أو منتجات صناعية مثل 3M أو DuPont، تعاني من المشكلة ذاتها.
وفي حين يؤدي ارتفاع معدل التضخم إلى انخفاض قيمة العملة عادةً، لا إلى ارتفاعها، بحسب نظرية “تعادل القوة الشرائية” (PPP)، فإن حالة الدولار، كعملة إمبريالية مهيمنة، تمثل استثناءً لتلك الحكمة السائدة في علم المالية الدولية، إذ إن التوترات الجيوسياسية ذاتها التي دفعت الأسعار للارتفاع تدفع رؤوس الأموال السائلة للبحث عن ملاذات آمنة يبرز الدولار الأمريكي والذهب على رأسها.
ويتفوق الدولار على الذهب في أنه يدر عائداً، وفي أن سندات الخزينة الأمريكية ارتفعت عوائدها مع ازدياد التوترات في مضيق هرمز. سندات العشر سنوات مثلاً ارتفع عائدها من 4% عشية العدوان على إيران إلى 4.66% في 19/5/2026، وبلغ نحو 4.5% في الأيام الفائتة. أما سندات الثلاثين عاماً فارتفع عائدها من 4.63% عشية العدوان على إيران إلى 5.18% في 19/5/2026، وبلغ عائدها نحو 5% في الأيام الفائتة.
وربما تبدو تلك فروقاً ضئيلة في العوائد، لكنها كبيرة لأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وهي أكبر بالنسبة للحكومة الأمريكية المضطرة الآن لتمويل عجز موازنتها بمعدلات فائدة أعلى.
أضف إلى ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي (معادل البنك المركزي الأمريكي) يصبح أكثر تردداً في خفض سعر الفائدة المرجعي في مواجهة تزايد معدل التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والمعادن، بل ربما يميل إلى رفعه لكبح جماح التضخم.
وما من شكٍ في أن ارتفاع متوسط عوائد السندات الأمريكية في الأسواق الدولية يشكل مؤشراً مهماً لاتجاه حزمة الفوائد الأمريكية في المستقبل، وهي حزمة مهمة تؤثر في سعر الدولار، الذي يرتفع كلما ارتفعت، وفي عالم المالية الدولية وكل اقتصادات الدول حول العالم، لأن معدل الفائدة الأمريكي هو الصنم الذي يدور رأس المال المالي الدولي من حوله.
ويمثل ذلك كابوساً بالنسبة إلى ترامب الذي سعى منذ مجيئه إلى الحكم إلى:
1) تخفيض معدلات الفائدة الأمريكية.
2) تخفيض قيمة الدولار إزاء العملات الأخرى.
مع العلم أن المعدلين يترابطان طردياً>
ويريد ترامب أن يخفض معدلات الفائدة للأسباب الآتية:
1) تخفيض كلفة الاقتراض الحكومي الأمريكي، لتوفير مئات مليارات الدولارات سنوياً.
2) تحفيز الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري أمريكياً لتحريك الاقتصاد للتعويض عن ارتفاع الأسعار الناتج عن التعريفات الجمركية التي فرضها، الأمر الذي تسبب بأثر انكماشي.
3) تحفيز الاقتصاد عموماً، وتسريع نموه، لأن تخفيض معدل الفائدة يزيد من معدل شراء المنازل، وتوسع قطاع الأعمال، ويرفع قيمة الأصول.
لكنّ العكس هو الذي يحدث حالياً، كنتيجة مباشرة للتوترات في مضيق هرمز. وبدلاً من محاصرة إيران، فإن الاقتصاد الأمريكي، والدولار، ومعدلات الفائدة الأمريكية، ومعها عالم المالية الدولية، أصبح كله محاصراً في مضيق هرمز، في ضغط جنوبي على المنظومة المالية الدولية لم تتمكن بريكس ذاتها من تحقيقه.




