افتتاحية اليوم: رسالة فرنسية وسط العاصفة

جاءت جولة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان على الرؤساء الثلاثة في لحظة شديدة الخطورة من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع التحديات الأمنية والسياسية مع مخاوف متزايدة من تداعيات الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية بين إسرائيل وحزب الله.
وفي هذا السياق، حملت زيارة لودريان أبعاداً تتجاوز الطابع العادي، لتشكل رسالة سياسية واضحة مفادها أن فرنسا لا تزال تعتبر لبنان جزءاً أساسياً من اهتماماتها الإقليمية والدولية.
وقد حرص لودريان خلال لقاءاته على التأكيد أن زيارته تهدف إلى التعبير عن الدعم والتضامن الفرنسيين مع لبنان، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها. غير أن أهمية هذه الرسالة لا تكمن فقط في مضمونها المباشر، بل أيضاً في توقيتها، إذ تأتي فيما يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة على مختلف المستويات، وسط مخاوف من اتساع دائرة الحرب، وما يمكن أن تتركه من انعكاسات خطيرة على الاستقرار الداخلي.
كما تعكس الزيارة استمرار الرهان الفرنسي على الحفاظ على مؤسسات الدولة اللبنانية، ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك والفوضى. فباريس تدرك أن أي اهتزاز كبير في لبنان لن تبقى تداعياته محصورة داخل حدوده، بل ستمتد إلى محيطه الإقليمي وإلى المصالح الأوروبية المرتبطة بأمن شرق المتوسط والهجرة والاستقرار الاقتصادي.
كما أن الجولة على الرؤساء الثلاثة حملت دلالة إضافية تتمثل في التشديد على أهمية وحدة المؤسسات الدستورية في مواجهة التحديات الراهنة. ففي ظل الأزمات المتلاحقة، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التنسيق بين السلطات اللبنانية، وإظهار صورة دولة قادرة على إدارة شؤونها والتعامل مع الاستحقاقات الداهمة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو إنسانية.
ولا يمكن فصل التحرك الفرنسي عن المساعي الدولية الأوسع الرامية إلى احتواء التصعيد، ومنع انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة. ففرنسا، التي حافظت تاريخياً على حضورها في الملف اللبناني، تسعى إلى لعب دور داعم للاستقرار، وإلى تشجيع الحلول السياسية والدبلوماسية التي تحول دون تفاقم الأزمات.
ويمكن القول إن زيارة لودريان تبدو بمثابة تأكيد جديد على أن لبنان ما زال يحتل موقعاً متقدماً على جدول الاهتمامات الفرنسية. وبينما تتعاظم التحديات وتزداد المخاطر، تكتسب رسائل الدعم الدولية أهمية مضاعفة، ليس فقط من حيث بعدها المعنوي، بل أيضاً باعتبارها مؤشراً إلى استمرار الاهتمام الخارجي بمساعدة لبنان على عبور واحدة من أكثر المراحل دقة وتعقيداً في تاريخه الحديث.




