
جنى شوربا – رأي سياسي:

لم يعد النقاش في لبنان يقتصر على وقف إطلاق النار أو احتواء التصعيد العسكري، بل انتقل إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بشكل لبنان الذي تريده القوى الدولية والإقليمية بعد الحرب. فالمسار الذي أعقب البيان الصادر عن الاجتماع الثلاثي الذي عقد في واشنطن بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل, فتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل الجنوب اللبناني، ودور المقاومة، وحدود السيادة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
في الظاهر، يُقدّم هذا المسار باعتباره محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. لكن في العمق، قرأت أوساط سياسية عديدة في مضمونه بداية مسار جديد يرسم معالم ترتيبات أمنية طويلة الأمد، تتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية إلى إعادة صياغة الواقع القائم جنوب الليطاني, من خلال طرح إخلاء المنطقة من أي وجود مسلح, مقابل تثبيت دور الجيش اللبناني كجهة وحيدة مخولة بالسيطرة.
لكن الإشكالية الجوهرية تتعلق بمسألة التطبيق, وما اذا كان مبدأ “حصرية السلاح” سيُطبق على جميع الأطراف, أم أنه يُختزل عمليًا في طرف واحد داخل المعادلة اللبنانية. فمع استمرار التصريحات والمواقف الاسرائيلية التي تتحدث عن مرحلة انتقالية مفتوحة, يُسمح خلالها بمواصلة العمليات العسكرية تحت عنوان “الترتيبات الأمنية” تزداد التساؤلات حول طبيعة المعادلة المطروحة: هل يجري الانتقال إلى مرحلة يُطلب فيها من حزب الله الانسحاب من الجنوب وتجريده من حضوره العسكري، بينما تبقى إسرائيل محتفظة بحرية الحركة العسكرية وبمواقعها الميدانية؟ وهو ما يثير مخاوف من نشوء واقع أمني جديد تصبح فيه الدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ التزامات فورية، في حين تبقى الالتزامات الإسرائيلية مؤجلة أو مرتبطة بمفاوضات لاحقة، ما يثير تساؤلات حول توازن الضمانات بين الطرفين وانعكاس ذلك على مفهوم السيادة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
ولا بد من الالتفات الى أن الاتفاق ترافق مع طرح إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأرض. ورغم أن هذا الطرح يُقدم على أنه خطوة لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، إلا أن الجدل الداخلي لا ينفصل عن واقع ميداني لا يزال غير محسوم.
على المستوى الاستراتيجي، فتشير قراءات سياسية إلى أن واشنطن تسعى إلى بناء نموذج أمني جديد في لبنان يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش اللبناني، مقابل ضمانات أمنية وتفاهمات إقليمية أوسع. إلا أن نجاح هذا النموذج يصطدم بمدى قدرته على معالجة هواجس السيادة، وبوقف الانتهاكات الإسرائيلية بشكل فعلي وليس نظرياً فقط.
وفي هذا السياق، برزت تحليلات تتحدث عن اتجاه دولي لتحييد بعض المناطق اللبنانية، وفي مقدمتها بيروت، ضمن ترتيبات أمنية وسياسية أوسع. وهو طرح يثير بدوره أسئلة حول طبيعة الشروط المطلوبة لتحقيق هذا التحييد، وأهدافه وانعكاساته على التوازن الداخلي.
وبالإنتقال الى الداخل اللبناني، إن التطورات الأخيرة أعادت فتح ملف السلاح ودور المقاومة بقوة إلى واجهة النقاش. فبين من يرى أن المرحلة تفرض انتقالاً كاملاً إلى منطق الدولة ومؤسساتها، وبين من يعتبر أن أي بحث في هذا الملف يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات فعلية لعدم تكرار الاعتداءات، يبدو أن الانقسام اللبناني مرشح للتفاقم خلال المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن البيان الثلاثي يشكل خاتمة لمرحلة الصراع بقدر ما يعكس بداية انتقال إلى مرحلة جديدة من إعادة التشكيل السياسي والأمني للبنان. فالبلاد تقف اليوم أمام استحقاق دقيق يتجاوز حدود الجنوب، ليطال طبيعة الدولة نفسها وموقعها في النظام الإقليمي الذي يتشكل حالياً. وبين وعود الاستقرار ومخاوف فرض الوقائع الجديدة، تبقى الأسابيع المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كانت التفاهمات الجارية ستقود فعلاً إلى سلام مستدام، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الضغوط والتجاذبات داخل لبنان والمنطقة..




