رأي

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

كتب عماد الدين حسين في صحيفة الشروق.

«إذا كنا نعتمد على أخلاق ترامب فى قيادة أكبر دولة فى العالم، فنحن جميعا فى ورطة كبيرة، لأنه أسوأ إنسان فى العالم».


هذه الجملة لم يقلها أى سياسى فى دولة على خلاف أو صراع مع ترامب مثل الصين أو إيران أو فنزويلا أو فلسطين ولبنان، لكن من قالها قبل أيام هو الممثل الأمريكى مارك رافالو خلال حفل توزيع جوائز «جولدن جلوب».
قد لا يعرف كثيرون رافالو جيدا، هو ممثل ومخرج أمريكى معروف عالميا وجسّد شخصية بروس بانر فى فيلم سلسلة أعمال عالم مارفل، خصوصا «هالك»، وهو معروف بنشاطه فى قضايا اجتماعية وسياسية، خصوصا التغير المناخى والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وحقوق العمال.
وكان من الداعين لوقف العدوان الإسرائيلى على غزة الذى يرى أنه تسبب فى كارثة إنسانية.
فى حفل توزيع جوائز «جولدن جلوب» وصف رافالو ترامب بألفاظ صعبة جدا، حيث قال إنه يفتقر إلى الأخلاق الدولية، وأن سياسته تعكس تجاهلا للقانون الدولى، كما اتهمه بأنه له ارتباطات مثيرة للجدل وأفعال غير أخلاقية فى أحاديثه.
لكن ما الذى دفع رافالو للحديث مجددا عن أخلاق ترامب؟ المناسبة ما قاله ترامب لصحيفة «النيويورك تايمز» يوم الجمعة الماضى بأن القانون الدولى لا يشكل قيدا على قراراته وسياساته، وأن الأمر يعتمد على تعريفك للقانون الدولى، لكن القيد الوحيد على قراراته هو «أخلاقه الشخصية».
رافالو محق تماما فى تخوفه، فالاعتماد على أخلاق ترامب فقط أكبر خطر يمكن أن يهدد، ليس فقط أمريكا ولكن العالم أجمع، باعتبار أن أمريكا هى أكبر قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية فى العالم.
وبالمناسبة فإن فكرة الرهان على أخلاق أو كرم أو نبل أو جدعنة أى شخص مسئول هى فكرة كارثية.
ففى هذا العالم الصعب والمعقد والمتشابك الذى نعيشه يصعب بل يستحيل الرهان على أخلاق أى مسئول فقط لتسيير أوضاع الحكم فى أى بلد، صغيرا كان أو كبيرا، فما بالك إذا كان شخصا بأخلاق ترامب التى يعرفها العالم أجمع؟!
القانون المحلى أو الدولى هو المعيار الأساسى الذى يمكن أن يتم الاحتكام إليه، وليس أخلاق ترامب أو أخلاق أى أحد غيره. سوف نتخيل أن هناك مسئولا يُصنف باعتباره أفضل شخص من حيث الأخلاق المشهود له بها من الجميع، لكن ذلك ليس كافيا، لأن هذه الأخلاق نسبية وإن لم تكن مصحوبة بوسائل وأحكام وإجراءات قابلة للقياس، فقد تكون خاطئة أو ظالمة.
العالم أجمع ناضل وعافر وكافح وضحى كثيرا حتى يصل إلى منظومة القانون الدولى الحالية، ورغم أنها ظالمة فى نواح ومجالات وقطاعات كثيرة، لكنها على الأقل تم التوافق عليها فى إطار ما يسمى بالشرعية الدولية والقانون الدولى الإنسانى، وكذلك الاحتكام إلى بعض المؤسسات القانونية الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظماتها ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
السؤال إذا كان ترامب نفسه يحتقر ويزدرى محاكم بلاده ويوجه لها الاتهامات دائما، وإذا كان قد حارب كلا من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية انحيازا لإسرائيل، وعدوانها، وإذا كان معجبا بكل القادة المستبدين، ومنهم بنيامين نتنياهو القاتل والمتهم بالإبادة الجماعية، فما الأخلاق التى يتحلى بها ويريدنا أن نطمئن لأن أخلاقه هى التى تقرر مصير خطواته ونظرته للأمور؟!
أخلاق ترامب التى نعرفها من واقع الصحف الأمريكية والمحاكم والقضايا أنه حاول شراء صمت ممثلة أفلام إباحية هى ستورمى دانيلز حتى لا تتحدث عن علاقة غير شرعية بينهما تضر بحملته الانتخابية الأولى.
هو متهم أيضا بالتعامل مع وثائق سرية بعد مغادرته البيت الأبيض فى ولايته الأولى، كما أنه متهم بمحاولة التدخل فى نتائج الانتخابات التى قادت إلى فوز جو بايدن بالرئاسة فى 2020، خصوصا دعم من حاولوا اقتحام الكونجرس.
هو متهم طوال الوقت بالإساءة للصحفيين والإعلاميين واستخدام خطاب مستفز ومثير للانقسام. ومتهم بازدراء الأفارقة واللاتينيين والمهاجرين وكل من يختلف معه فى الرأى.
هو متهم أيضا بسلوكيات غير لائقة مثل التحرش بالناس فعلا ولفظا، ومتهم أيضا بالتهرب من الضرائب وامتلاك شركات وفنادق تحمل اسمه أثناء الرئاسة، وخلط السلطة بالمصلحة الخاصة.
ما سبق عينة سريعة من قضايا تكشف جانبا من أخلاق ترامب الذى يريدنا أن نطمئن لأنه سيحكم فى قراراته وسياساته عبر أخلاقه!!
مع هذه النوعية من الحكام فإن العالم يسير بخطى سريعة نحو كارثة محققة!!

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى