رأي

في عصر الإفلات من العقاب، أصبح الدبلوماسيون أكثر أهمية من أي وقت مضى

وزير خارجية عمان بدر البو سعيدي – صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية:

الدبلوماسية باتت مسعىً صعباً في ظل صراعات عالمية لم تنجح الاتفاقات المؤقتة في إيجاد حلول دائمة لها، فيما تتواصل تداعياتها على الدول المجاورة والاقتصاد العالمي.

رفي السنوات الأخيرة، أصبحت الدبلوماسية مسعىً قاسياً. وقد حققت بعض الاتفاقات المؤقتة تخفيضات محدودة في حدة التوتر. لكن لم يتم التوصل إلى حلول دائمة لأي من الصراعات العالمية الخطيرة التي تهدد الأرواح بشكل مباشر في فلسطين وإيران واليمن والسودان ولبنان و”إسرائيل” وأوكرانيا، والتي تُلحق أضراراً جسيمة بالدول المجاورة والاقتصاد العالمي.

لا يعود هذا إلى قلة النشاط، فقد شهدنا العديد من المبادرات والوساطات والمفاوضات والقمم ومذكرات التفاهم، وكرّس العديد من الدبلوماسيين ذوي الخبرة وقتهم وجهودهم لهذه المسائل. بل هو نتيجة لبُعدين جديدين مقلقين في السياسة العالمية، يستدعيان استجابة جماعية عاجلة من المجتمع الدولي. أولها تراجع الالتزام بالقانون الدولي. فقد شهدت السنوات الأخيرة ترسيخ الاحتلالات، وتزايد استخدام الاغتيال والاختطاف كأدوات سياسية، وهجمات طائشة على المدنيين، إلى جانب ازدراء سافر لمؤسسات كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وهذا يُنذر بالعودة إلى حقبة سابقة كانت فيها القوى العظمى قادرة على التصرف دون عقاب، ولكن هذه المرة بأسلحة دمار شامل.

أما الأمر الثاني فهو ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بإمكانية ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم، دون إشراك الدبلوماسيين. تكمن المشكلة في أنهم سرعان ما يكتشفون قلة الأدوات المتاحة أمامهم لتحقيق أهدافهم. فيضطرون إلى اللجوء إما إلى الأسلوب الإمبراطوري التقليدي للقرن التاسع عشر، المعروف بـ”دبلوماسية السفن الحربية”، أو إلى الأسلوب الحديث الأكثر دقة، ولكنه لا يقل تدميراً، والمتمثل في استخدام القوة الاقتصادية لترهيب شعوب بأكملها وإخضاعها، أملاً في “تغيير النظام” وتشكيل إدارة تابعة مطيعة.

كيف تتصرف الدول الصغيرة عندما تُتجاهل القواعد التي كانت تُقيد الدول الكبرى بشكل متزايد؟
قد يكون أفضل رد فعل هو البدء بالإصرار بصبر، بل وبدقة متناهية، على الالتزام ببعض الأعراف القديمة. قد يُنظر إلى الاستشهاد المتكرر بالقانون الدولي على أنه ممل من قِبل أولئك الذين يميلون إلى التسرع وكسر القواعد. لكن هذه الأعراف وُضعت لحماية الغالبية العظمى من سكان العالم. ليس هذا هو الوقت المناسب للتخلي عن مبدأ أن القانون يُستخدم لكبح الاستخدامات غير المشروعة للسلطة.

عملياً، يعني هذا الحفاظ على قدر من الثقة في العملية الدبلوماسية حتى عندما تبدو غير فعّالة. ففي مواجهة الفشل الظاهر، أو مشكلة مستعصية، أو تعنّت المحاورين، يكمن التحدي في عدم الانسحاب. مهمة الدبلوماسي – وربما على وجه الخصوص دبلوماسي دولة صغيرة – هي أن يكون المحاور المثابر الذي يبقى على طاولة الحوار حتى عندما يبدو أنه لا يوجد ما يمكن استكشافه. شخص لا يتردد في الاتصال، مقترحاً سبيلاً آخر لدفع الحوار قدماً. انصبّ تركيز الدبلوماسية العُمانية خلال الأشهر الماضية على محاولة التوصل إلى اتفاق يُعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

إنها مفاوضات معقدة تُجرى في ظل التهديد الدائم بالحرب، ولها تداعيات معروفة على الاقتصاد العالمي. وتتطلب هذه المفاوضات موازنة دقيقة بين تفاصيل القانون الدولي وقضايا الأمن القومي الحساسة. لم يتم التوصل إلى حل بعد، لكننا لن ننسحب. وذلك، بطبيعة الحال، لأن المخاطر المترتبة على هذه المفاوضات كبيرة للغاية، ولأن عملية التفاوض نفسها – أي فكرة قدرة الدول على حل خلافاتها عبر الحوار – معرضة للخطر أيضاً.

وتسعى سلطنة عُمان إلى تحقيق ثلاثة أهداف من خلال انخراطها المستمر: حماية سيادتها، نظراً لأن الوضع الراهن يُهدد أمن مياهها الإقليمية؛ حماية مصالح المجتمع الدولي، إدراكاً منها أن الفئات الأكثر ضعفاً هي التي ستتضرر بشدة من استمرار إغلاق المضيق، وأخيراً، تأكيد استمرار مركزية القانون الدولي من خلال العمل بأمان ضمن إطاره.

تتفق هذه النقاط الثلاث مع مفهوم عُمان للحياد البنّاء. وهذا يعني أكثر من مجرد تقديم المساعدة أو الاستعداد للتيسير، بل يعني في آنٍ واحد الحفاظ على القانون الدولي العام وبنائه، فهو ليس مجرد نص، بل يُدعم ويُعزز من خلال الأفعال المتخذة باسمه. والهدف هو تطوير إطار عمل قابل للتطبيق من الالتزامات المتبادلة، يُشكل نظاماً معيارياً. وبذلك، تستطيع الدول الصغيرة – التي تُمثل الأغلبية العالمية – حماية نفسها من تصرفات من يملكون القوة الكافية للتصرف دون عقاب.

منقول إلى العربية

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى