أبرزرأي

عون يرسم الخط الأحمر: لا عودة إلى 1975

حسين زلغوط – خاص , “رأي سياسي”:

جاءت إطلالة رئيس الجمهورية جوزاف عون من بكركي في مناسبة عيد الفصح، لتتجاوز إطارها الرمزي والديني، وتتحوّل إلى محطة سياسية مفصلية تحمل رسائل واضحة في توقيت بالغ الحساسية. لم تكن الكلمات عابرة، بل جاءت محمّلة بدلالات تتصل بجوهر الاستقرار الداخلي، في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات خطرة، وانعكاساتها المباشرة على الساحة اللبنانية.

في صلب هذه الرسالة، أعاد الرئيس عون تثبيت معادلة أساسية: السلم الأهلي خط أحمر. هذا التوصيف لا يندرج في خانة الخطاب السياسي التقليدي، بل يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المخاطر التي قد تنجم عن أي اهتزاز داخلي، في ظل بيئة إقليمية مشتعلة وضغوط متعددة الأوجه. فلبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لم يعد يحتمل تكرار التجربة، لا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا.

من هنا، يمكن قراءة تشديد رئيس الجمهورية على أن المسّ بالسلم الأهلي لن يُسمح به، باعتباره إعلانًا واضحًا عن استعداد الدولة، بمؤسساتها كافة، للتصدي لأي محاولة لإعادة إنتاج الفوضى. وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يضع عون هذا الموقف في إطار مسؤولية دستورية ووطنية، تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتلامس جوهر فكرة الدولة نفسها: حماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المجهول.

اللافت في خطاب عون أنه لم يكتفِ برفع سقف التحذير، بل وجّه رسائل مباشرة إلى من وصفهم بـ”أصحاب الأوهام”، الذين يراهنون على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. هنا، تبدو الإشارة إلى عام 1975 واضحة، لكن الأوضح منها هو التأكيد بأن الظروف تغيّرت جذريًا. فلبنان اليوم ليس لبنان الأمس: المجتمع أكثر وعيًا، والبيئة الإقليمية مختلفة، وتجربة الحرب ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية كتحذير دائم من مغبّة الانزلاق.

وفي هذا السياق، يمكن فهم نبرة الطمأنة التي حملها الخطاب، حيث عبّر الرئيس عن ثقته بوعي اللبنانيين، الذين أنهكتهم الحروب والأزمات، وباتوا أكثر تمسكًا بالاستقرار. كما أن هذه الطمأنة تمتد إلى المؤسسات، التي يُفترض أن تكون أكثر إدراكًا لمسؤولياتها في هذه المرحلة الدقيقة.

لكن الرسالة لم تقتصر على الداخل فقط، بل حملت أبعادًا تتصل بالوضع الإقليمي. فحين يؤكد الرئيس عون تمسكه بخيار وقف الحرب عبر التفاوض، فهو يضع لبنان في موقع الساعي إلى الحلول السياسية، لا الانخراط في مغامرات مفتوحة. وفي الوقت نفسه، شدد على أن هذا الخيار لا يعني بأي حال من الأحوال التنازل أو الاستسلام، بل يأتي في إطار حماية الحقوق الوطنية، وفي مقدمها السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.

هذه المعادلة الدقيقة – بين السعي إلى التهدئة ورفض التنازل – تعكس مقاربة واقعية للتحديات الراهنة، فلبنان، المحاصر بالأزمات، يحتاج إلى تثبيت استقراره الداخلي كأولوية مطلقة، بالتوازي مع الحفاظ على حقوقه في مواجهة أي اعتداء أو ضغط.

انطلاقًا مما تقدم، يمكن القول إن خطاب جوزاف عون من بكركي لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل شكّل إعلانًا سياسيًا واضحًا يرسم حدود المرحلة المقبلة، عنوانها الأبرز: لا عودة إلى الحرب، ولا تساهل مع أي تهديد للسلم الأهلي، في مقابل تمسّك ثابت بالحقوق الوطنية. إنها معادلة صعبة، لكنها تمثّل الخيار الوحيد الممكن في بلد يعرف جيدًا كلفة الانهيار، ولا يملك ترف تكرار أخطاء الماضي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى