رأي

 ماذا يترتب على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟

شاي فيلدمان – مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية:

فوز ائتلاف بنيامين نتنياهو سيرسّخ سياسة “إسرائيل” التوسعية في الضفة الغربية.

يصف الإسرائيليون الانتخابات العامة المقبلة، المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، بأنها واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ البلاد، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.

على الساحة الدولية، يبدو أن الاهتمام ينصبّ بشكل أكبر على المسار السلبي لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى فرص نجاح الائتلاف الحاكم المقبل من تغييره. فما هي طبيعة هذه الانتخابات التي يوليها الكثير من الإسرائيليين هذه الأهمية البالغة؟ وما هي القضايا الهامة التي قد تتأثر بنتائجها، حتى وإن لم تكن تشكل محوراً رئيساً في النقاشات الدائرة بين الأحزاب المتنافسة؟

تتمثل القضية الأولى في الانتخابات الإسرائيلية المقررة عام 2026 في موضوع المساءلة عن حالة المباغتة التي تعرضت لها “إسرائيل” جراء هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وينصب التركيز هنا على معارضة الحكومة الحالية، التي يقودها حزب “الليكود”، لتشكيل لجنة تحقيق وطنية للوقوف على أسباب عدم استعداد “إسرائيل” لمواجهة هجوم حماس المرعب. وتُعد هذه المعارضة، المستمرة منذ نحو 3 سنوات، خروجاً عن التقليد الذي أُرسيت قواعده قبل 5 عقود، حين شكلت الحكومة الإسرائيلية “لجنة أغرانات” لدراسة أسباب فشل الحكومة آنذاك في توقع الهجمات المصرية والسورية المباغتة في مستهل حرب “يوم الغفران” عام 1973.

وفي حين تحمل القادة الإسرائيليون في مطلع السبعينيات، وعلى رأسهم رئيسة الوزراء غولدا مائير ووزير الدفاع موشيه ديان، المسؤولية عن أخطائهم واستقالوا في نهاية المطاف، يواصل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو التملّص والتهرّب من اتخاذ أي خطوات مماثلة. ونظراً لأنّ جميع أحزاب المعارضة يؤيد هذا المسار المؤسسي للمساءلة، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستكون بمنزلة استفتاء شعبي حول هذه القضية.

أما القضية الثانية، التي تتناولها الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، فتتمثل في مسألة إعفاء اليهود الإسرائيليين المتشددين دينياً (الحريديم) من الخدمة في “الجيش” الإسرائيلي. فعلى الرغم من أن هذا الإعفاء مُنح عقب إعلان قيام “إسرائيل” عام 1948 وحظي بقبول معظم الإسرائيليين لعقود تلت ذلك، إلا أن الوضع قد تغير الآن؛ فعندما أُقرَّ الإعفاء في البداية، كان يشمل عدداً محدوداً جداً من الإسرائيليين، غير أنّ النمو الديموغرافي المتسارع لمجتمع “الحريديم” في العقود الأخيرة يعني أنّ هناك اليوم 80 ألف رجل مؤهلين للحصول على إعفاء مما يعدّه كثير من الإسرائيليين “واجباً وطنياً”.

وقد تفاقم السخط الشعبي تجاه هذا الامتياز بشكل ملحوظ عقب هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر وما تلاه من حرب متعددة الجبهات. وتتطلب هذه الحرب، التي تجاوزت مدتها اليوم أي حرب أخرى في تاريخ “إسرائيل”، حشد أعداد أكبر بكثير من القوات البرية، سواء من المجندين أو جنود الاحتياط، الذين يتحتم عليهم أداء الخدمة العسكرية لمئات الأيام على حساب أوضاعهم المالية وشؤونهم العائلية.

وقد زاد من حدّة هذا التفاوت نجاح مجتمع “الحريديم” على مدى عقود في انتزاع إعانات حكومية وامتيازات أخرى من “الدولة”، بما في ذلك التمويل السخيّ للمدارس الدينية التي غالباً ما تهمل تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، الأمر الذي يضر بمستقبل القوى العاملة في “إسرائيل”. ونتيجة لذلك، أضحى هذا المجتمع المتنامي باستمرار معتمداً بشكل كامل على الإعانات الحكومية التي يموّلها دافعو الضرائب الإسرائيليون من غير المتشددين دينياً. وقد أدّى غضب هؤلاء الإسرائيليين من هذا الوضع إلى جعل قضية “تقاسم الأعباء” ثاني القضايا التي يمكن اعتبار الانتخابات المقبلة بمنزلة استفتاء شعبي حولها.

وستحدد نتائج الانتخابات المقبلة مسألتين أخريين مهمتين ومترابطتين، وإن كانتا لا تشكلان محوراً رئيساً في الحملات الانتخابية للأحزاب المتنافسة. وتتمثل المسألة الأولى في حالة الفوضى التي سمحت الحكومة الإسرائيلية الحالية بتفشيها في الضفة الغربية. ففي علم السياسة، تُعرَّف الفوضى بأنها الحالة التي لا تحتكر فيها أي جهة استخدام القوة داخل أراضيها. وفي الشرق الأوسط، تعيش 4 دول على الأقل حالياً حالة من الفوضى، وهي: لبنان والعراق وليبيا واليمن؛ حيث تقوّض فصائل مسلحة في هذه الكيانات من القدرة القسرية والسيادية للدولة، بحيث لم تعد الحكومات المصدر الوحيد لصنع القرار القومي والوطني.

وفي الضفة الغربية، دأبت مجموعات من الشباب الإسرائيليين المتطرفين المعروفين باسم “فتيان التلال”، على استهداف القرى والمنازل والأراضي الزراعية الفلسطينية لسنوات طويلة، بهدف توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة من خلال مضايقة الفلسطينيين ودفعهم إلى هجر منازلهم والتخلي عن نمط حياتهم. ومع ذلك، ظلت هذه المجموعات الشبابية المتطرفة محدودة العدد وغير مسلحة في الغالب لسنوات طويلة.

لكن هذا المشهد تغيّر عقب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في مطلع عام 2023، بحيث منح وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، آلاف المستوطنين تصاريح لحمل السلاح. وقد وفر كل من بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش الحماية لهؤلاء الشباب العنيفين، حتى عند ضبطهم من قبل أجهزة إنفاذ القانون. ونتيجة لذلك، تزايدت أعداد هؤلاء المتطرفين المسلحين وتصاعدت هجماتهم في الضفة الغربية خلال العام الماضي، حيث شنوا ما بات يصفه إسرائيليون آخرون بـ”المذابح الجماعية المنظمة”.

كما أصبحت حالة الفوضى المتنامية في الضفة الغربية قضية رئيسة في علاقات “إسرائيل” الخارجية؛ فقد احتجت حكومات أوروبية، واتخذ بعضها خطوات لفرض عقوبات على ناشطين يهود وشركات يهودية تمارس أنشطة تجارية في الضفة الغربية. حتى السفير الأميركي مايك هاكابي أدان حالة انهيار النظام. وبقدر لا يقل أهمية، يتزايد قلق الأردن، الجار الملاصق لـ”إسرائيل”، من أن تؤدي الفوضى المتصاعدة في الضفة الغربية إلى دفع الفلسطينيين للهجرة نحو الضفة الشرقية، ما يشكل “تهديداً ديموغرافياً” وجودياً للمملكة.

وفي أيلول/سبتمبر 2026، دفع التأثير التراكمي لهذه المخاوف الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة تعزيزات “الجيش” الإسرائيلي في الضفة الغربية ليصل إلى ما مجموعه 25 كتيبة.

ولا تزال هجمات المستوطنين المسلّحين ضد السكان والمزارعين الفلسطينيين مستمرة. وفي ظل هذه الظروف التي تتسم بالفوضى، لم تعد “إسرائيل” قادرة على “فرض الأمن” في منطقة متاخمة لأكبر مناطقها الحضرية وأكثرها ازدهاراً.

وتتمثل القضية الأخرى التي ستشكلها نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في النطاق الأوسع للعلاقات الخارجية لـ “إسرائيل”. فلو قدّر الإسرائيليون وجود شريك فلسطيني لتنفيذ حل الدولتين للصراع، لربما تحولت الانتخابات المقبلة إلى استفتاء حول هذه الخطة؛ غير أنّ الإسرائيليين لا يرون حالياً وجود مثل هذا الشريك، وبالتالي لا يعتبرون هذا الحل قابلاً للتنفيذ.

وتتأثر علاقات “إسرائيل” ببعض هذه الحكومات وبقوى مؤثرة داخل تلك الدول بمدى اعتبار السياسات والإجراءات الإسرائيلية ضارة -إن لم تكن مدمرة- لأي أمل في قيام دولة فلسطينية مستقبلية متصلة الأراضي. وتُعد خطة الحكومة الإسرائيلية الحالية لبناء آلاف الوحدات السكنية الإضافية في المنطقة الواقعة شرقي القدس، والمعروفة باسم “E-1″، مثالاً على هذه الإجراءات. وليس مستغرباً أن تواجه هذه الخطوة معارضة شديدة حتى من جانب الحكومات الأوروبية التي طالما دعمت أمن “إسرائيل” وازدهارها؛ إذ ستتحدد مسألة استمرار الحكومة الإسرائيلية المقبلة في مثل هذه السياسات أو التخلي عنها بناءً على نتائج الانتخابات القادمة، وهو أمر ستراقبه عن كثب الحكومات الأوروبية والأوساط المؤثرة في الولايات المتحدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى